‏قراءة في رؤية الحزب الاشتراكي لحل القضية الجنوبية في الحوار الوطني الشامل

Author Icon رشا جرهوم

فبراير 28, 2026

في عام 2013 قدّم الحزب الاشتراكي اليمني رؤيته لحل القضية الجنوبية ضمن مؤتمر الحوار الوطني الشامل، واصفاً الأزمة بأنها «أزمة بنيوية في الوحدة» بعد حرب 1994.

أهمية الوثيقة أنها لم تختزل القضية في أراضٍ أو وظائف أو شراكة حكومية، بل ذهبت إلى الجذر السياسي: ما جرى بعد 1994 ألغى لاتفاقيات السلمية للوحدة واستبدلها بمنطق القوة والغلبة. بهذا نقلت النقاش من مظلومية إلى سؤال أعمق يتعلق بطبيعة الدولة والعقد السياسي نفسه.

رفضت الرؤية الحلول الشكلية، كفكرة تعيين رئيس جنوبي أو الاكتفاء بحكم محلي واسع مع بقاء مركزية مقنّعة. وطرحت بدلاً من ذلك إعادة صياغة الوحدة في إطار دولة اتحادية تُبقي الجنوب كياناً موحداً، مع مرحلة انتقالية لثلاث سنوات تقوم على المناصفة بين الشمال والجنوب في البرلمان والحكومة والمؤسسات السيادية، وصولاً إلى الاتفاق على شكل الدولة النهائي.

الفكرة المحورية للورقة ركزت على إعادة التوازن. فبعد اختلال ميزان القوة عقب الحرب، اعتبرت الوثيقة أن أي حل لا يقوم على الندية لن يكون مستقراً. لذلك طرحت المناصفة كأداة لإعادة بناء الثقة وخلق ميزان تفاوضي يمنح الجنوب تأثيراً حقيقياً في صياغة الدولة الاتحادية. كما شددت على تنفيذ النقاط العشرين والإحدى عشر لبناء الثقة، ونقل الصلاحيات، ومنع الفراغ السياسي خلال المرحلة الانتقالية.

أخذت مخرجات الحوار الوطني من الرؤية فكرة الدولة الاتحادية، لكنها لم تأخذ منها فكرة الندية. تم الاعتراف بأن القضية الجنوبية سياسية ومركزية، وتم تبني الاتحادية ونقل الصلاحيات نظرياً، لكن المناصفة لم تُعتمد كقاعدة ملزمة، ولم يُثبت الجنوب ككيان تفاوضي واحد، بل اتجه المسار نحو صيغة أقاليم متعددة.

وهنا تبدأ عقدة أخرى لا تقل أهمية. فبينما رأت رؤية الاشتراكي أن بقاء الجنوب ككيان موحد داخل أي صيغة اتحادية ضرورة سياسية لحمايته من التفكك، يرى بعض الجنوبيين أن هذا الطرح يعيد إنتاج مركزية الدولة الجنوبية بعد 1967، التي دمجت الكيانات التاريخية للسلاطين والمشيخات في دولة مركزية واحدة. وبالتالي فإن فكرة “الجنوب كإقليم واحد” ليست محل إجماع، بل عند بعض القوى جزء من مظلومية تاريخية لم تُحل بعد.

هذا يعني أن الخلاف لا يتعلق فقط بالعلاقة مع الشمال، بل يمتد إلى شكل الجنوب نفسه. هل الجنوب كيان سياسي موحد بطبيعته الحديثة؟ أم فضاء تاريخي متعدد يحتاج إلى لامركزية أعمق داخله؟ هذا السؤال لم يُحسم لا في الحوار الوطني ولا جنوبياً حتى اليوم.

وعند مقارنة رؤية الاشتراكي بورقة الحراك الجنوبي في تلك المرحلة، نجد تقاطعاً في تشخيص جذور الأزمة: كلاهما اعتبر حرب 1994 نقطة الانكسار الأساسية، وكلاهما رفض اختزال القضية في مطالب خدمية، وأكد حق الجنوبيين في إدارة مواردهم واستعادة كرامتهم السياسية.

لكن الفارق كان في سقف الحل. الاشتراكي قدّم رؤية إصلاحية للوحدة عبر اتحادية قائمة على الندية. والحراك – خاصة جناحه المطالب بفك الارتباط – اتجه نحو استعادة الدولة أو تقرير المصير كمدخل للحسم.

بالتالي سعى الاشتراكي إلى إعادة صياغة الوحدة بينما سعى الحراك إلى إعادة تأسيس العلاقة من الصفر.

وكشفت التجربة اللاحقة حقيقة مهمة وهي أن إعادة التوازن داخل صيغة الوحدة لم تكن كافية. فعندما لا يُحسم السؤال الأساسي حول ماهية شكل العلاقة النهائية بين الجنوب والشمال؟ يعود الصراع في صورة جديدة. ويتحوّل الحسم من السياسة إلى الأمر الواقع.

لذلك فإن الدرس اليوم لا يتمثل في استعادة مقاربة “إعادة التوازن”، بل في إدراك أن الاستقرار لن يتحقق إلا بالذهاب إلى الحد الأعلى من الحل. أي معالجة جذرية ومفوضة شعبياً تحسم شكل العلاقة بوضوح، بدلاً من إبقائها معلّقة بين الوحدة والانفصال دون آلية حسم.

إذا لم يُحسم جوهر المسألة بإرادة واضحة وضمانات حقيقية وآلية ديمقراطية صريحة، سيظل كل حل انتقالياً بطبيعته، وسيبقى الباب مفتوحاً لظهور أمر واقع جديد يعيد تشكيل المعادلة خارج السياسة.

زر الذهاب إلى الأعلى