مشكلة الإعلام في مأرب.. مسؤولية الدولة أم من يحكم؟!

Author Icon حسين العبيدي

مارس 12, 2026

يُعدّ الإعلام من أهم الركائز المجتمعية في إحداث التغيير المجتمعي إلى الأفضل، كما أن الإعلام رسالة سامية ومهنة تهدف إلى نقل الحقيقة بموضوعية ونزاهة.

وتُعد رسالة الإعلام ركيزة مجتمعية أساسية في إحداث التغيير المنشود للمجتمعات والشعوب، حيث يرتكز دور الإعلام على إيصال المعلومات الدقيقة، وتشكيل الوعي الجمعي، وتعزيز القيم الوطنية، والالتزام بأخلاقيات المهنة. وكيف لا، والإعلام يوصف بأنه السلطة الرابعة لما يشكله من أهمية في خلق وعي الأمة وتوثيق الأحداث بمسؤولية، بعيدًا عن التزييف أو الانحياز الحزبي أو الطائفي أو المناطقي أو القبلي.

من المؤسف القول إن الإعلام في مأرب يعمل وفق مقولة "جوزيف جوبلز"، وزير الإعلام النازي في زمن رئيس ألمانيا أدولف هتلر، الذي قال: "أعطني إعلامًا بلا ضمير أعطك شعبًا بلا وعي". وباختصار شديد، هكذا هو حال الإعلام الفاقد للمهنية والمسؤولية الأخلاقية في محافظة مأرب، الذي يهدف إلى إنتاج أمة فاسدة فقط تستقبل وتتلقى ما يُبثّ لها. فالمتابع البسيط لتوجه هذا الإعلام أصبح يدرك جيدًا، وبلا مواربة، أن هذا الإعلام الذي يمتلك عدة منصات إعلامية ويحظى بدعم سخي من أموال وعوائد تنمية محافظة مأرب، إعلام لا يُعوَّل عليه في صناعة رأي حر وكلمة صادقة، ولا في حماية المجتمع، ولا يتحدث عن التنمية، ولا يناقش هموم الناس والمجتمع، أو ما يواجه المواطن من تحديات وهموم ومصاعب الحياة اليومية، أو أي غزو فكري يدمر القيم والمجتمعات.

وعلى الرغم من كثرة المواقع الإخبارية والإعلامية التي تحمل اسم مأرب، وهي في الحقيقة ملك حصري للمحافظة ومسجلة باسمها منذ وقت مبكر وملك لأبنائها، إلا أننا فوجئنا بأن هذه المواقع الإخبارية تم السطو عليها من قبل تيار سياسي معين أصبح يحكم مأرب منفردًا. وتمت خصخصة هذه المرافق الإعلامية لأشخاص يتكسبون بها ومن خلالها، بل وأصبح يوجه هذه المواقع وفق رغباته الأيديولوجية والسياسية بعيدًا عن أهداف الإعلام السامية، ولا يعمل في خدمة الأمة اليمنية والعربية، ويسئ لرموز الوطن ، ويتجاهل تضحيات الأبطال من مؤسسي الثورة والجمهورية في مأرب ، وكل من يريد أن تكون مأرب عنواناً للخير والنماء ، بل يعمل بكل جهد لتغييب المواطن في مأرب عمّا يُحاك حوله من تحديات سياسية واقتصادية وتنموية.

مأرب تريد إعلامًا يناقش القضية الوطنية اليمنية من صميم المبادئ والثوابت الوطنية للجمهورية اليمنية، وليس وفق أجندات سياسية ضيقة وحزبية لا تعود بالنفع للوطن ولا لأبناء محافظة مأرب. مأرب تريد إعلامًا لا يبث الفرقة والكراهية والتعصبات القبلية، ولا إعلامًا يمجد أشخاصًا على حساب الوطن، لأن صنمية الأشخاص زائلة والوطن باقٍ. إعلام يبرز الدور الحضاري والتاريخي العريق لهذه المحافظة ومساهمة كل أبنائها في العديد من المحطات التاريخية والوطنية، ويحترم فيه الرأي والرأي الآخر. إعلام يسلط الضوء على حماية الآثار والمواقع التاريخية بالمحافظة التي تتعرض للاندثار والنهب، وإعلام يسلط الضوء على تحديات التنمية المستدامة والبيئة، وكيفية حماية الثروات الطبيعية والنفطية والغازية من الفساد والسوق السوداء التي تضر بالوطن والاقتصاد والعملة الوطنية، وكذلك التحديات الاقتصادية وكيفية مواجهة التدهور والتدمير الذي يطال كل المرافق الحيوية في مجال الكهرباء والطاقة، وكيفية تحسينها واستعادة دورها الاقتصادي المهم للوطن اليمني الكبير.

وعلى الرغم من كثرة هذه المواقع الإخبارية في مأرب، بالإضافة إلى المنصات الأخرى في وسائل التواصل الاجتماعي والجيش الإعلامي الكبير الذي يتم الإنفاق عليه بأموال كبيرة من خزينة محافظة مأرب والحكومة والعوائد المخصصة للتنمية بالمحافظة، حتى إن بعض هذه المواقع الإعلامية منفردة تتقاضى ما يقارب 30 مليون ريال يمني شهريًا، بالإضافة إلى ما يتم صرفه للمنصات الأخرى والناشطين، إلا أنه من المؤسف القول إن هذه المنابر الإعلامية لا تقدم لمأرب ولا لقضيتها الوطنية والتنمية فيها شيئًا يُذكر.

والأخطر من ذلك أن معظم هذه المواقع الإعلامية والمنصات الموازية لها تمارس التضليل الإعلامي عن حقيقة التنمية والبناء، وتنتهج أسلوب المراوغة السياسية والنفاق الاجتماعي، وتخضع للإملاء السياسي الرخيص في تناولها للقضايا السياسية والاقتصادية، وتبتعد عن الحقيقة والمهنية في نقلها، لتتحول إلى وسيلة سياسية سواء على المستوى الفردي أو الجماعي أو المجتمعي.

ورغم أن أخلاقيات الإعلام تفرض على وسائل الإعلام القيام بواجباتها ووظائفها بصدق وأمانة ونزاهة وموضوعية وتوازن ودقة، وعدم إساءة استخدام سلطة الإعلام، إلا أنه مع وجود صراع المصالح الهائل على المستوى الوطني والمحلي، فإن هذه الأخلاقيات تغيب أحيانًا، وتحدث بشكل متعمد أنواع من التضليل الإعلامي. ويبقى دور وزارة الإعلام والحكومة الرقابي غائبًا تمامًا عن هذه الوسائل الإعلامية وتوجهاتها، وكذلك الرقابة المالية على الأموال الكبيرة التي يتم صرفها على هذه المواقع الإخبارية.

وأخيرًا نقول لهذه المواقع الإعلامية ومن يقف عليها ويدعمها إن الحقيقة لا تختفي تمامًا، بل تنتظر اللحظة المناسبة لتكشف عن نفسها، وليخسأ الأشرار وينتصر الحق بإذن الله.

  • ● رئيس مركز مداري للدراسات والأبحاث الإستراتيجية.
زر الذهاب إلى الأعلى