منذ 2015، تحولت آبار النفط والغاز في مأرب إلى شريان حياة مالي يغذي الإخوان ككيان موازي الوطنية، وقد نجح الإخوان في توظيف الظروف الإقليمية ليعمل بمنأى عن سيادة الدولة.
ففي عام 2019 أكدت تقارير فريق الخبراء أن إيرادات المحافظة التي تقدر بما يتراوح بين 1.5 و2.7 مليون دولار يومياً لم تعد تورد إلى حساب الحكومة الموحد في البنك المركزي بعدن، بل باتت تدار عبر شبكة معقدة من الحسابات المحلية وشركات الصرافة والقنوات المصرفية الموازية التي تخضع لسيطرة كاملة من حزب الإصلاح، الذراع السياسي لجماعة الإخوان في اليمن، الذي لم يعد منذ ذلك التاريخ مجرد فرع تنظيمي تابع لمركز خارجي.
بل تحول إلى كيان شبه دولتي يجمع بين السيطرة الفعلية والكاملة، على موارد اقتصادية سيادية محددة بـ 11 ألف برميل نفط و2150 طن غاز يومياً ،تباع بسعر 350 الف للطن الواحد، مما يدر إيرادات غاز محلية تتجاوز 274 مليار ريال سنوياً، بالإضافة إلى الهياكل الإدارية المحلية والقوات المسلحة الموالية والموانئ البرية، مما منح جماعة الإخوان استقلالية مالية وعسكرية نادرة في سياق الدولة اليمنية المتآكلة.
وتكشف تحقيقات فريق الخبراء ومراكز بحثية مستقلة أن جزء كبير من هذه العائدات النفطية والغازية، توجه مباشرة لتمويل معسكرات تدريبية خاصة ومراكز لوجستية تعمل خارج التسلسل القيادي لوزارة الدفاع اليمنية، وخارج الآليات الرقابية الرسمية المشتركة مع السعودية، حيث وثقت تقارير وجود 6 معسكرات سرية في مناطق صحراوية بين مأرب والجوف، تدار تحت إشراف قيادات ظل عسكرية تابعة للإخوان، ويتلقى فيها مئات المجندين تدريبات على الأسلحة المتقدمة قبل تكليفهم بمهام أمنية داخلية.
ولا تقف هذه الشبكة المالية عند حدود اليمن، بل تمتد لتشكيل قنوات تحويل إقليمية معقدة تضمن استدامة التدفقات النقدية لأنشطة الجماعة داخل البلاد وخارجها، حيث تشير وثائق برلمانية وتقارير استقصائية إلى استخدام منفذ الوديعة الحدودي مع السعودية وشبكات صرافة في دول الجوار، لتحويل الأموال وتبييضها تحت مسميات تجارية وهمية، في عملية ممنهجة تهدف إلى حماية هذه الموارد من الرقابة المركزية وضمان استمرار تمويل العمليات السياسية والعسكرية للجماعة، خاصة أن فرع البنك المركزي في مأرب غير مرتبط بنظام SWIFT، ولا يشارك البيانات مع المقر الرئيسي في عدن، مما يحول دون أي رقابة مالية مركزية على التدفقات النقدية.
وقد نجح الإخوان منذ 2015م في توظيف التحالف العسكري مع السعودية لصالح مشروعهم، واستطاعوا ببراعة سياسية وإدارية تحول الدعم الإقليمي والسعودي على وجه التحديد، المخصص لقتال الحوثيين إلى قنوات تمويلية تعزز سيطرتهم المحلية، دون أن يعني ذلك تواطؤ مقصود من السعودية.
بل يعكس بوضوح قدرة الجماعة على استثمار الفراغ المؤسسي وتعقيدات الحرب، لبناء شبكات مالية موازية يصعب على أي طرف خارجي مراقبتها أو التحكم فيها، وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول كيفية ضمان توافق آليات الدعم الإقليمي مع الالتزامات الدولية في مكافحة تمويل الجماعات المتطرفة
والأخطر من ذلك، أن هذا الكيان المالي والعسكري في مأرب بات يستخدم كنقطة ارتكاز إقليمية لتمويل أو دعم أنشطة شبكات جماعة الإخوان في دول الجوار، مما يحول محافظة مأرب عملياً إلى مركز مالي وتشغيلي يغذي فروع تنظيمية في أكثر من ساحة إقليمية، في تحول نوعي يجعل من جماعة الإخوان في اليمن منذ 2015 ليس مجرد فرع، بل مغذي رئيسي لباقي الفروع الدولية في المنطقة، وهذا يعكس خطر استراتيجي يتجاوز الحدود اليمنية ليمس استقرار المنظومة الأمنية الإقليمية برمتها.
وفي مواجهة هذه الوقائع، يظل موقف البنك المركزي اليمني في عدن، ممثلاً بمحافظه حافظ معياد الذي هدد علناً بالاستقالة في يونيو 2019 إذا لم تورد إيرادات مأرب والمهرة، شاهداً على عجز المؤسسات الرسمية عن استعادة السيادة المالية، حيث استمر الرفض المحلي بحجة الضرورات الدفاعية وغياب الدعم المركزي لتتحول الإدارة المالية في مأرب إلى دائرة مغلقة لا تخضع لتدقيق ديوان الرقابة المحاسبي ولا تنشر بياناتها للعموم.
في حين يشتكي سكان مأرب من تباين صارخ بين حجم العائدات الهائل المتاح والمقدر بـ 1.8 إلى 3.2 مليار دولار خلال الفترة 2019- 2024 وتردي الخدمات الأساسية، مما يعكس فجوة رقابية كبيرة وحقيقية تفتح الباب أمام التساؤلات المشروعة حول أولويات الصرف وشفافية العقود، ولا يمكن اختزال هذا المشهد في خلاف محاسبي بين مسؤولين.
بل هو نموذج خطير لكيفية تحويل هذه الموارد الطبيعية في مناطق النزاع، إلى أداة لتمويل هياكل موازية تعمل بمعزل عن المساءلة العامة.
فالوقائع تظهر أن استمرار الدورة المالية الموازية لا يضعف قدرة البنك المركزي على إدارة السيولة واستقرار سعر الصرف فحسب، بل يعمق تجزئة السيادة المالية للدولة ويخلق واقع جديد تصبح فيه الثروة الباطنية وقود لانقسام مؤسسي مستدام، بدلاً من أن تكون ركيزة لإعادة بناء العقد الاجتماعي والمالي بين الدولة ومواطنيها.




