الأحد، 17 مايو 2026 | الموافق ٣٠ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ
الرأي

تعزيز المسار الوطني اليمني…إنطلاقة في الصميم!

كيان وطني جديد ذات مشروع انقاذ سياسي
المهندس حسين العبيدي

إن المرحلة الصعبة التي يشهدها ويمر بها اليمن حالياً هي مرحلة معقدة وغير مسبوقة، في تاريخ اليمن الحديث والمعاصر ، إلى جانب أنها مرحلة يشوبها الصراع والفساد السياسي والا عقلانية.

فاليمني وصل لدرجة من الضعف لفهم ما يجري، في ظل  زمن تتشابك فيه الوقائع وتتلاحق بنا الأزمات والكوارث ، لدرجة حيرت من  يمسي عاقلاً ويصبح حيراناً، وذلك في ظل ضياع ثُروات الوطن التي سرقت، وأحلام الشعب التي  تبخرت، فيما الدولة مزقتها نزوات الساسة ، وأطماع السلطة إلى كانتونات صغيرة ، وشعب أنهكته سنوات عجاف من الحرب والمرض والفقر، بسبب الفساد والنهب الممنهج لمقدرات الوطن وقوت أبنائه.

وعلى الرغم من مرارة الحرب والصراع التي تمر بها اليمن منذ اكثر من عقد من الزمن ، والتي أهلكت الحرث والنسل وهدمت الوطن ومزقت عراه.

إلا أن  هذه الحرب عزلت اليمني وأصبح يعيش في عالمه الخاص، وتضاعفت جراء ذلك الاحداث والكروب من دون ان يمنح وقتاً لالتقاط أنفاسه، بفعل الساسة وأمراء الحروب الذين اقحموا الوطن والانسان بالفوضى والحروب والاضطرابات السياسية المتلاحقة.

والحقيقة أنه  طوال هذه السنوات أن الحرب عزلت الجميع، وأصبحنا  أمام مأساه وواقع لا يمكن يصعب انكاره او تجاهله، هذا الواقع  أثقل كاهل حياة اليمنيين بأزمات مركبة ومتراكمة، عنوانها الأبرز الفساد والشللية وغياب دولة القانون والتي تتكيء على مورثات اجتماعية وسياسية عقيمة .

وجذورها هذه الخلفية  تمتد للفهم الخاطئ والذي وصل  لعمق بنية الدولة والمجتمع ، مما أسس لعدم الاستقرار السياسي والامني والاقتصادي ، ليكون سمة ملازمة، لا لإنه قدر محتوم بل لأنه نتيجة مباشرة لواقع مرير من الفساد ، وللإهمال، وللتسيب، وغياب الرؤية والمسؤولية.

وطوال السنوات الماضية مر على اليمن ،حوارات وتفاهمات ، ومبادرات إلى جانب الاتفاقيات، وترديد الشعارات والصرخات والعناوين البراقة، ولكن قدرا هائلا من  تلك الشعارات والعناوين البراقة لم يكن موجهاً إلى حل جذور الأزمة بل إلى إدارتها وإطالة أمدها وبما يضمن بقاءها، وإعادة انتاجها كل مرة في صورة جديدة وأسواء من سابقاتها .

إلى جانب تمديد حالة الانقسام وتدوير النفوذ وتقاسم الموارد، وترحيل كلفة تلك الأزمات إلى جيب وكاهل ذلك المواطن المغلوب ، وما كان يُفترض أن يكون مبادرة وحلاً للوضع الصعب تحول في كثير من الأحيان إلى غطاء جديد للعبث واستنزاف الموارد ، حتى ماكان يُعول عليه بأن يكون أداة للانقاذ صار في الواقع أداة لزيادة الانقسام والتشظي ، وإعادة توزيع أعبائه دون أي أثر حقيقي على حياة الناس، أو على خلق وجود حقيقي لمؤسسات الدولة الغائبة ، أو على مسار الاستقرار الوطني المنشود.

فيما مازالت القوى التي تعبث في  اليمن والتي استباحت كل قوانين الارض والسماء ، والتي جاءت تحت شعارات التغيير للأفضل ومكافحة الفساد ، لكنها هي من أوصلتنا  لنعيش واقع مزري من الفساد الذي لم يّعد مجرد تجاوزات فردية ، أو حالات معزولة بل أصبح منظومة متشابكة تتغلغل في مفاصل الدولة والمجتمع معاً.

واصبح هناك طيفاً مجتمعياً يؤيد ويعزز منه ويستفيد من ذلك الانقسام، بل ويتعيش ويقتات عليه، بل ان تلك المنظومة تقاوم كل مسعى جاد للاصلاح والتغيير لأنها تدرك أن إنهاء الفوضى يعني نهاية وجودها وامتيازاتها، وأن قيام دولة المؤسسات، والقانون يعني سقوط الحصانة السياسية التي احتمت بها طويلاً.

وفي الوقت الذي تهدر فيه موارد اليمن الطبيعية ومدخراته من المليارات تحت عناوين مختلفة وواهية ، يعجز ذلك المواطن على الحصول على أبسط حقوقه في العيش الكريم، والحصول على حقه في العلاج والتعليم ، والخدمات الاساسية، والكهرباء المنتظمة والمستقرة، والطرق الأمنة، والإدارة الحكيمة والذاتية في تسيير شؤونه اليومية.

ويكمن الحل رغم هذه الظروف القصرية قي تعزيز المسار الوطني لليمن ضمن مشروعي واضح لإنها هذا الانفلات والفوضى  ، بالإضافة إلى  التركيز على تعزيز الانتماء الوطني الحقيقي ، النابع من الثوابت الوطنية الاصيلة وحب الوطن ، بعيداً عن التأثيرات الايدولوجية السلبية والمتطرفة، ودعم الاستقرار والتعايش المجتمعي فيما بيننا كأبناء وطن واحد ومصير مشترك.

ومن أجل انهاء هذا الواقع الفوضوي فإن ذلك يستدعي  تطوير المؤسسات التعليمية والاجتماعية والهيئات الوطنية ، لان ذلك يعد المفتاح الأساسي في توحيد الصف الوطني واستعادة دولة النظام والقانون ، وتنمية القدرات البشرية والمؤسسية ابتداء بالشباب ،الذين يعدون نواة  التغيير الحقيقية وعامل الاستقرار المستقبلي، الذي يخدم الصالح العام والوطني ، وتشجيع الحوار والنقاش الوطني الصادق والصريح ، مما يسهم في الوصول إلى توافق وطني حول كل قضايا الوطن المصيرية، وإرساء ثقافة السلام والتسامح لحل كل نزاعات المجتمع والوصول لمسارات العدالة والتنمية والبناء.

ويبقى كل اليمنيين  مطالبون بإعادة النظر في سياساتهم تجاه الوطن، وبناء دولة لا ترتبط بالمصالح الشخصية والمشاريع المدعومة من الخارج ،ومحاسبة كل من جار وعذب، ولازال يقهر اليمنيين في حياتهم ، إلى جانب ممارسو سياسة احتكار واستغلال الوظيفة العامة وعرقلة الاصلاحات.

*رئيس مركز مداري للدراسات والأبحاث الإستراتيجية.
17 مايو 2026.