‏في الخطاب الأول: المظلومية بوصفها وقوداً انتحارياً

Author Icon مصطفى ناجي

مارس 13, 2026

تحدّث مجتبي خامنئي المرشد الإيراني الجديد بعد أن تبوأ المنصب في ظروف انتخاب ملتبسة، تتداخل فيها ملامح التوريث مع الامتداد الأيديولوجي، وقد جاء خطابه الأول مقروءًا لا منطوقًا، في ظرف استثنائي حمل منذ بدايته عنوانًا واضحًا: حرب مستمرة وقيادة حذرة. مع ان النظام كان قادرا على بث كلمة مصورة لزعيمه الجديد إلا أنه تفادى ذلك وقد يعود الأمر إلى الحالة الصحية للمرشد الجديد فيما لو أصيب سابقاً أو لشخصيّته التي تفضل الغيبة والتواري.
في العادة الشخصيات التي تفضّل الظل تكون أكثر قسوة.

يكتسب هذا الخطاب دلالات رمزية كبيرة، بوصفه التواصل الأول مع الشعب ومع الأتباع خارج الحدود الوطنية وباعتبار النص الذي يرسم الخطوط العامة للمرحلة ويعبّر عن الهوية الأيديولوجية لزعيم يجمع بين الصفة السياسية والروحية في آن واحد، كما يجسد قيادة عابرة للحدود تمتد حيثما وُجدت الأذرع الإقليمية لإيران.
وقبل التوقف عند أبعاد الخطاب الإقليمية، يجدر التمهل عند عناصره العامة.

استُهل الخطاب بآية قرآنية طالما أثارت جدلاً فقهياً واسعاً، غير أن توظيفها هنا جاء توظيفاً سياسياً متعسفاً، إذ جرى الربط بين مفهوم النسخ والموت، في محاولة لإضفاء معنى رمزي وسياسي على الآية بوصفها تجسيداً لشخصيات بعينها داخل النظام الإيراني. ومن هذا المدخل يمكن فهم كيفية استبطان القائد للدور الذي يمنحه لقبه الوظيفي، حيث تمتزج القداسة بالسلطة في صيغة واحدة.
ثم انتقل الخطاب إلى مخاطبة "صاحب الزمان"، وهو خطاب ذو حمولة طائفية لا يستوعبه باقي الطيف الإسلامي الذي لا يندرج ضمن هذا المعتقد. ويعيد ذلك التأكيد على الهوية الشيعية العقائدية للنظام الإيراني. واللافت أن العناصر الدينية العقائدية جاءت في مقدمة خطاب يُفترض أنه سياسي، بما يكشف عن أولوية البنية الأيديولوجية في صياغة الرسالة السياسية.

العنصر الثاني في الخطاب تمثل في إظهار الزهد في المنصب، وهو تقليد مألوف في الخطاب الديني حيث يُفترض برجل الدين أن يتعالى عن السلطة. غير أن هذا الزهد بدا أقرب إلى طلاء رمزي يتناقض مع الموقع الفعلي الذي شغله مجتبى خلال السنوات الأخيرة داخل دوائر صنع القرار، ومع الشبكة الواسعة التي نسجها داخل المؤسسة الدينية والعسكرية، ولا سيما داخل الحرس الثوري. ومن ثم فإن هذا الزهد المتصنّع يلبّي صورة متخيّلة لرجل السلطة في المخيال الديني أكثر مما يعكس واقع السلطة الفعلية.

كما استحضر الخطاب الخسارة الشخصية في الأرواح، مذكّراً بما فُقد من أفراد العائلة، في محاولة لترسيخ ما يمكن تسميته "شرعية الدم". هذه الشرعية تسعى إلى سد الفجوة السياسية في شرعية الحكم، لكنها في الوقت ذاته تنسجم مع نمط راسخ في الوعي الشيعي يقوم على الاستثمار في المظلومية بوصفها وقوداً أيديولوجياً. فالمظلومية تتبلور ببعديها الضيّق والواسع؛ فردية لكنها تتسع لتغدو مظلومية جماعية ثم وطنية.
في هذا السياق، لا ينبع الاستحقاق من الكفاءة الإدارية أو حتى من المكانة الفقهية بقدر ما ينبع من "شهادة الدم". وهكذا تتحول الحادثة من مجرد ابتلاء شخصي إلى معنى سياسي جامع، يربط بين "الشهيد المؤسس للرمزية المذهبية" ولمشروع القداسة المذهبية و"الشهيد السياسي" الذي يجسد النظام. وبذلك يصبح الثأر ذا طابع مزدوج: شخصي ووطني، وممتدًا في الوقت ذاته إلى المجال العقائدي في طريقة معقدة لاستجرار الانتقام تاريخياً.
هذا التمهيد الأيديولوجي يفتح الطريق للخطاب السياسي الذي يُراد تقديمه إلى الخارج، حيث تُطرح شروط وقف الحرب من موقع لا يتحدث فيه النظام بصفته جريحاً، بل بصفته منتصراً يطالب بتعويضات ويهدد بانتزاعها. غير أن واقع الأمر يشير إلى أن مصادر هذه التعويضات، في تصور النظام الإيراني، لا يمكن أن تكون إلا دول الجوار. وهو ما ينذر بدورة جديدة من الصراع الإقليمي عقب توقف المعارك، تتحول فيها المنطقة إلى ساحة لتعويض الخسائر أو غنيمة سياسية للحرب.
يقدم الخطاب زعيماً لا مريئاً لكنه قوياً وعازماً على الحرب والاستبسال. وهذه الصورة تلبي حاجة المنظومة الامنية والعسكرية داخل إيران الحالية.

‏أما على المستوى الإقليمي، فقد تضمّن الخطاب تهديداً مفتوحاً باستخدام مضيق هرمز. غير أن هذا التهديد لا يعكس بالضرورة قدرة حقيقية على السيطرة بقدر ما يعكس نزعة تصعيدية ذات طابع انتحاري، تجعل من إغلاق المضيق أداة حرب وغاية في آن واحد، رغم الكلفة الكبيرة التي قد تتحملها إيران نفسها نتيجة لذلك.
لكن التهديد الأبرز تمثل في إعادة إحياء ورقة الأذرع الإيرانية في المنطقة. فقد خصص الخطاب فقرة كاملة لهذه القوى في محاولة لإعادة بث الحيوية في محور يبدو في مجمله متعبًا ومجزأً، مع استثناء لافت للجماعة الحوثية التي تبدو في وضع أفضل نسبيًا مقارنة ببقية الأطراف.
وقد تكون هذه الجماعة هي المعنية ضمنًا بإمكانية إغلاق ممر بحري، وهو ما لم يُذكر صراحة في الخطاب، بل جاء في سياق المبالغة الخطابية المصاحبة لحالات الحرب، حين جرى التهديد بـ"فتح جبهات أخرى يفتقر العدو فيها إلى الخبرة".
واللافت أن الخطاب يتحدث عن وكلاء النظام كما لو كانوا دولًا لا جماعات، وهو ما يكشف عن تصور خاص إيراني للنظام الإقليمي في المنطقة؛ تصور لا يرى في الدول التي تدور في فلكه إلا امتدادًا لجماعاته، بينما ينفي ضمنًا شرعية القوى الأخرى.
وقد وصف الخطاب الجماعة الحوثية بـ"اليمن الشجاع". وهذه العبارة تحتمل معنيين في آن واحد: الثناء والحث. فهي من جهة إقرار بدور الجماعة، ومن جهة أخرى دعوة ضمنية إلى الانخراط الكامل في معترك الحرب الذي تأخر الحوثيون في دخوله حتى الآن. ومع ذلك، فقد نسب الخطاب شجاعة الجماعة إلى ما قامت به تجاه غزة، مستنكفاً الإقرار بما قدّمته للنظام الإيراني نفسه، على خلاف ما قيل بوضوح في سياق الحديث عن حزب الله.
وتكشف هذه الإشارة عن إعادة رسم لموقع الجماعة الحوثية داخل البنية الذهنية والسياسية للمحور الإيراني.
في المحصلة، لم يحمل الخطاب أي رسالة تطمين إلى دول المنطقة، بل على العكس وضعها ضمن دائرة الاستهداف المحتمل. وهذا ما يوحي بأن المرحلة الجديدة مرشحة لأن تكون مرحلة صراع وصدام أكثر منها مرحلة تهدئة أو إعادة توازن.

د مصطفى ناجي

زر الذهاب إلى الأعلى