‏كيف تحول التيار الرسمي للقوميين العرب إلى معادين للعروبة؟

Author Icon حسين الوادعي

مارس 15, 2026

قد يكون العنوان متناقضًا، لكنها حقيقة كشفتها الأحداث الأخيرة وردود الفعل تجاه الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج، وهي اعتداءات حظيت بتأييد ما أدعوه “التيار الرسمي” للقوميين العرب.
بل إن القوميين والناصريين لم يكتفوا بالتأييد، بل انتقلوا إلى تحقير الدول العربية باعتبارها دولًا صنيعة الاستعمار، في مقابل إيران التي يعتبرونها دولة “أصيلة”، ووصل بعضهم إلى تمجيد الفارسية والحط من شأن العروبة.

ليس في الأمر غرابة، فالتيار الماركسي الغربي (اليسار الجديد) مثلًا تحول إلى معاداة الطبقة العاملة وحقوق الشعوب في التحرر من الاستبداد بعد تبنيه سياسات الهوية.

تحول القوميين العرب إلى معادين للقومية يعود إلى تحولات هامة ومنعطفات سياسية دفعت بالعروبة إلى حضن الملالي. وهذه محاولة سريعة للتفسير قابلة للصواب والخطأ.

ظهرت الفكرة القومية كفكرة حديثة لنهضة العرب، وقدمت إسهامات عظيمة في السياسة والتاريخ والثقافة.
لكن مشكلة القومية كتيار بعثي أو ناصري أنها تحولت في الستينيات من تيار شعبي إلى تيار مرتبط بالسلطة (البعث السوري، البعث العراقي، الناصرية المصرية، الجماهيرية الليبية). منذ ذلك الحين سيطر التيار "الرسمي" على الفكرة القومية وفرغها من مضمونها.

لكن هذه الأنظمة التي غدا ارتباط الفكرة القومية بها قويًا تداعت تباعا بداية بسقوط العراق عام 2003، الذي شكل هزة للقوميين وأوقعهم في فراغ فكري وسياسي.

نتيجة ذلك حاولوا تعويضه بالانتماء إلى حركة المقاومة الدينية لإسرائيل التي لمع فيها اسم حزب الله عام 2006.
كانت هذه أول قفزة للعروبة من الانتماء القومي العروبي العلماني إلى انتماء يلعب فيه المذهب والطائفة دورًا كبيرًا.

حتى تلك اللحظة كان الإعجاب القومي منحصرًا في الثورية الشيعية، سواء مع حزب الله أو مع نموذج الثورة الخمينية، لكن دون التخلي عن أولوية الانتماء العربي.

كانت اللحظة الثانية هي تموضع النظام السوري ضمن المحور الإيراني منذ تولي بشار الأسد السلطة، ثم تحول النظام السوري إلى عالة على الآلة الميليشياوية الإيرانية من أجل البقاء والصمود بعد الربيع العربي، وسقوط القذافي الذي جعل التيار القومي المنظم يتيمًا وباحثًا عن ملاذ.

التموضع السوري/الإيراني سحب المزيد من القوميين والناصريين إلى صف الأيديولوجيا الإيرانية، وإلى إعطاء الأولوية للمصالح الإيرانية على المصالح العربية، باعتبار أن إيران وحدها — حسب وجهة نظرهم — ترفع علم دعم القضية ومواجهة الإمبريالية، بعد أن تخلت الأنظمة العربية عن هذه الشعارات وانشغلت ببنائها الداخلي ونهضتها الداخلية.

منذ لحظة الربيع العربي تماهى القوميون والناصريون مع الأجندة الإيرانية، فتشككوا في الربيع العربي ورفضوه في سوريا وليبيا ولبنان باعتباره مؤامرة صهيونية، بينما حاولوا الاستفادة منه في اليمن ومصر من أجل تعزيز النفوذ الإيراني في الدول العربية.

جاء 7 أكتوبر وتداعياته لينقل التيار الرئيسي كلياً إلى الأجندة الإيرانية.

في هذه اللحظة كان التيار الرسمي قد انتقل إلى تصوير إيران حامية للعرب، وتقديم التاريخ القومي الإيراني في صورة تاريخ من السيادة والمقاومة والاستقلال والحضارة.

وجاء البيان الصحفي للمؤتمر القومي العربي في يونيو 2024 (دورة طوفان الأقصى) تعبيرًا صريحًا عن تحول القوميين خطابًا وتنظيمًا إلى الأجندة الإيرانية. فالبيان كان يرسم بالأبيض والأسود عالمين منفصلين: عالم “شعوب المقاومة”، وهي كل الدول التي هيمن عليها إيران والممثلة في الحوثي في اليمن، والحشد في العراق، وحزب الله في لبنان؛ في مقابل شعوب الاستسلام الذي تمثله بقية الدول والأنظمة العربية.

انقلابٌ بزاوية 180 درجة، تحول فيه القومي الصباحي (نسبةً إلى حمدين صباحي) من منافح عن العروبة واستقلال العرب إلى مروج للهيمنة الإيرانية الفارسية على القرار العربي.

ولو نهض ميشيل عفلق وساطع الحصري من قبريهما وشاهدا مواقف القوميين المعادين للقومية والعروبة لأصيبا بالجنون، ولراجعا فكرهما القومي العروبي بحيث لا ينتج كائنات معادية لجوهر الفكرة التي يرفعونها شعارًا ويرتزقون باسمها.

حسين الوادعي

زر الذهاب إلى الأعلى