رحلتي مع الكتابة في زمن الإنحطاط اليمني

Author Icon مصطفى محمود

مارس 15, 2026

عندما أكتب في الشأن اليمني أحاول أن أجد طريقة أجمع بها تفاصيل الانحطاط الذي تبذره سلطة الفواعل المحلية في تراب الواقع وأحاول أن أصوغ الألم الفاقع والمديد بجمل طويلة وأخرى قصيرة وأخرى صامتة وأحاول أن أجعل اللامعقول الواقعي قابلاً للتخيل العقلي وأن أكثف الخذلان الإنساني الواسع في رفض مكتوب داخل مقال.

وأن أمتص الغضب والحزن والقهر من وجوه الناس المتعبة، لكي أقذفه بصاقاً في وجه الفاسدين والمجرمين والمنحطين ورعاتهم ،وفي وجه كل المتواطئين والشهود الصامتين على استمرار هذا الحال

في اليمن تتحول الكتابة إلى فعل تأملي، يتجاوز حدود التعبير اليومي ليصبح محاولة لفهم معنى الوجود في زمن يتهاوى فيه كل شيء .

أتحدث هنا بوصفي باحثاً وكاتباً متواضعاً يجد نفسه أمام واقع تتساقط فيه القيم ،كما تتساقط الأبنية في المدن المهدمة ،حيث تغدو الكلمة جسراً هشاً يعبر فوق هوة واسعة بين مجتمع لا يحب القراءة أصلاً، فكيف في مرحلة يطارده فيها الجوع وبين سلطة فواعل محلية مولودة من رحم العنف والفوضى، لا ترى في النص سوى أداة للدفاع عن بوائقها أو وسيلة لتزيين قبحها

بينما الحقيقة تظهر يومياً في الأسواق التي فقدت حيويتها ،وفي المدارس التي تحولت إلى أوكار تجهيل ممنهج وفي المستشفيات، التي صارت في كثير من الأحيان مقاصل صامتة يدخل إليها المريض ماشياً على قدميه ويخرج محمولاً على الأكتاف إلى مثواه الأخير.

كتابتي هنا ليست ترفاً فكرياً ،بل هي غضب ونفي للواقع المظلم من موقع الإدانة، ومن موقع القرف، ومن موقع تسجيل الانحطاط وعرضه بلا أوهام شخصية بالتغيير الموضوعي.

الكتابة هنا ليست مهنة بل مواجهة مع سؤال الإنسان في لحظة الانهيار ،يكتب الكاتب وهو يرى وجوه الأمهات اللواتي أنهكتهن الحروب، وعيون الأطفال الذين كبروا قبل أوانهم، ويرى فساد النخب التي اختارت الحياد التابع أو الحياد السلبي، بينما الوطن يتهاوى وهو حين يكتب يعيد صياغة هذا الانهيار في نص طويل متدفق، يضع القارئ أمام مرآة الواقع ويجبره على مواجهة سؤال أخلاقي عميق، حول جدوى الصمت وجدوى الكلام وحول معنى أن يكون الإنسان شاهداً على الخراب لا مجرد متفرج عليه

كتاباتي في الشأن اليمني تبدو كأنها تحد فردي لليأس الجماعي، وانغماس واع في القهر العام من أجل مقاومة الجنون اليومي، ولا تحتاج الكتابة الموضوعية إلى ادعاء الانفصال عن موضوعها أو التظاهر بالحياد المطلق ،بل تحتاج إلى الصدق مع التحيزات الشخصية وإدراكها ضمن سياقها التاريخي وموضعتها أمام التاريخ وأمام التفكير البشري الذي يصنع التاريخ.

زر الذهاب إلى الأعلى