الحسم كشرط لإعادة تأسيس الحياة السياسية في اليمن

Author Icon سامي الكاف

مارس 18, 2026

أتصور أن الأزمات الوطنية حين تبلغ مستوى من التعقيد يهدد المعنى ذاته الذي تقوم عليه فكرة الدولة، يصبح السؤال السياسي أعمق من مجرد البحث عن حلول إجرائية أو تسويات موقتة، ففي مثل هذه اللحظات لا تعود السياسة إدارة للخلاف بقدر ما تتحول إلى اختبار للخيارات الوجودية التي تحدد مصير المجتمعات.

واليمن، في سياق تحولات العقد الأخير، يقف أمام هذا النوع من الاختبارات الحاسمة، حيث لم يعد الصراع في اعتقادي يدور حول توزيع السلطة أو شكل الحكومة، بل حول طبيعة الكيان السياسي نفسه: هل يبقى اليمن دولة ذات سيادة تقوم على فكرة المواطنة؟ أم يتحول إلى مجال نفوذ لمشروع ثيوقراطي عقائدي عابر لفكرة الدولة؟

وعليه، تتبلور هنا المقاربة التي تسعى هذه المقالة التحليلية إلى مناقشتها: لا طريق ثالث بين استعادة الدولة وبين ترسيخ مشروع الولاية.

من المهم أن أشير في المبتدأ إلى أن الخطاب السياسي خلال سنوات الحرب حاول أن يحتفظ بمسافة رمادية بين هذين الخيارين، وكأن الواقع يسمح بتأجيل الحسم أو الالتفاف عليه عبر صيغ توافقية موقتة زادت الطين بلة.

غير أن التجربة العملية أثبتت أن هذه المساحة الرمادية لم تكن سوى تعبير عن عجز سياسي فاضح أكثر من كونها خياراً استراتيجياً مدروساً، فالكيانات التي تقوم على منطق الميليشيات العقائدية لا تنظر إلى التسويات باعتبارها نهاية للصراع، بل كمرحلة ضمن مسار طويل يهدف إلى تثبيت الهيمنة.

وهكذا يتحول كل تأجيل للحسم إلى فرصة إضافية لتعميق اختلال التوازن، بحيث يصبح الزمن نفسه عاملاً فاعلاً في ترجيح كفة المشروع الذي يرفض أصلاً فكرة الدولة الحديثة.

لاحظوا معي من فضلكم أن الحسم في الفكر السياسي، لا يفهم بوصفه فعلاً عسكرياً فحسب، بل باعتباره لحظة إدراك تاريخي لطبيعة الصراع وحدوده، فالحسم يبدأ أولاً في مستوى الوعي، حين يدرك المجتمع أن بعض التناقضات لا يمكن إدارتها داخل الإطار ذاته، لأنها تضرب في الأساس الذي يقوم عليه هذا الإطار.

فضلاً عن ذلك فإن الحسم ليس اندفاعاً نحو القوة بقدر ما هو وضوح في تعريف المشكلة، وعندما يغيب هذا الوضوح، تتحول السياسة إلى سلسلة من المناورات التي تؤجل الانفجار من دون أن تمنع حدوثه.

ولهذا، تحديداً، كان غياب تعريف دقيق لطبيعة الصراع في اليمن أحد العوامل التي أطالت أمد الأزمة وأبقت البلاد في حالة بينية لا هي حرب حاسمة ولا هي سلام مستقر.

إن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه في هذا السياق هو: هل يمكن التعايش مع نقيض الدولة؟

قد يتبدى السؤال في ظاهره نظرياً، لكنه في الواقع يعكس تجربة ملموسة عاشها اليمنيون خلال السنوات الماضية، فالميليشيات التي قامت على أساس أيديولوجي مغلق لم تتعامل مع الدولة بوصفها إطاراً مشتركاً للمجتمع، بل بوصفها غنيمة ينبغي السيطرة عليها أو تفكيكها.

وعليه، لم يكن الصراع هنا بين مشروعين سياسيين متنافسين داخل الدولة، بل هو كما أرى بين منطقين متعارضين: منطق الدولة بوصفها عقداً اجتماعياً، ومنطق الجماعة المغلقة التي ترى في السلطة امتداداً لشرعية دينية / سلالية تريد إعادة عجلة التاريخ للوراء.

وحين يطرح مفهوم التعايش مع هذا النقيض، فإن الأمر في تصوري يشبه محاولة الجمع بين نظامين معرفيين لا يلتقيان في الأساس الذي يقوم عليه كل منهما، فالدولة الحديثة تقوم على فكرة المواطنة المتساوية والعدالة والإنصاف، بينما يقوم مشروع الولاية على تصور هرمي للسلطة يميز بين الناس وفق معيار الانتماء العقائدي أو السلالي.

وفي مثل هذا التناقض البنيوي لا يكون الخلاف مجرد اختلاف في البرامج السياسية، بل اختلافاً في تعريف الإنسان ذاته داخل النظام السياسي.

ولهذا، وفق ما هو موضح أعلاه، يصبح التعايش بينهما أشبه بمحاولة تثبيت معادلة يستحيل تحققها في الواقع.

لقد كشفت التجربة اليمنية منذ أن انقلبت الحوثية على الدولة بقوة السلاح في الـ21 من سبتمبر (أيلول) 2014 أن التردد في مواجهة هذا التناقض أدى إلى نشوء حالة سياسية هجينة صار عمرها أكثر من عقد، حكومة معترف بها دولياً لكنها عاجزة كدولة عن ممارسة سيادتها الكاملة، وسلطة أمر واقع تفرض نفوذها بالقوة القامعة من دون أن تمتلك شرعية الدولة.

وفي مثل هذه الحالة المأزومة تتآكل الحدود بين الشرعية والفوضى، بحيث يفقد المواطن قدرته على التمييز بين ما هو استثناء موقت وما أصبح واقعاً دائماً.

ومع مرور الزمن تتحول هذه الحالة المأزومة إلى نمط من "اللا وضع" السياسي الذي يسمح لكل طرف بإعادة تعريف الواقع، وفق مصالحه الخاصة.

غير أن التاريخ السياسي يعلمنا أن مثل هذه الحالات الانتقالية لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، فالمجتمعات، عاجلاً أو آجلاً، تجد نفسها مضطرة إلى إعادة بناء مركز السلطة الذي يمنح النظام السياسي معناه.

وعندما يطول غياب هذا المركز، تبدأ مؤسسات الدولة بالتآكل، ويتحول المجال العام إلى مساحة مفتوحة لصراعات متعددة المستويات.

وعليه، يتضح هنا أن المشكلة ليست في وجود الصراع ذاته، بل في غياب القدرة على حسمه ضمن إطار يحفظ فكرة الدولة ويعيد لها وظيفتها الأساسية.

وفي هذا السياق يبرز مفهوم الاستعادة بوصفه مفهوماً يتجاوز المعنى العسكري الضيق الذي يختزل فيه أحياناً، فالاستعادة، في معناها العميق، هي عملية إعادة بناء المعنى السياسي للدولة، بعد أن تعرض للتشويه أو التفكك.

وهي بهذا المعنى ليست مجرد استرجاع للأرض أو للمؤسسات، بل استرجاع للفكرة التي تجعل من هذه المؤسسات تعبيراً عن إرادة المجتمع التي تسعى إلى تحقيق العدالة والإنصاف، لا إلى استمرار الإقصاء والتهميش.

ومن دون هذا البعد المفاهيمي تتحول أية عملية عسكرية إلى تغيير في موازين القوة، من دون أن تؤدي بالضرورة إلى إعادة تأسيس الدولة.

في الواقع إنّ استعادة الدولة، بهذا المعنى، السالف توضيحه، هي فعل تاريخي طويل يتجاوز حدود اللحظة العسكرية، فهي تبدأ بإعادة تعريف الصراع في الوعي العام، ثم بإعادة تنظيم القوى السياسية حول هدف واضح لا يقبل الالتباس.

وحين يتحقق هذا الوضوح، يصبح العمل العسكري، إن حدث، جزءاً من مسار أوسع يهدف إلى إعادة بناء النظام السياسي على أسس مختلفة.

أما حين يغيب هذا الوضوح، فإن القوة المسلحة قد تتحول إلى مجرد أداة في صراع مفتوح لا نهاية له.

ولعل أحد أهم دروس السنوات الماضية أن المجتمعات لا تخسر حروبها فقط بسبب ضعف الإمكانات، بل أحياناً بسبب غموض الرؤية، فحين لا يعرف الفاعلون السياسيون بدقة ما الذي يقاتلون من أجله، يصبح من الصعب تحويل التضحيات إلى نتائج سياسية مستقرة.

ولهذا فإن تحديد الهدف باستعادة الدولة، ليس شعاراً سياسياً بقدر ما هو شرط ضروري لبناء استراتيجية متماسكة قادرة على تحويل الصراع من حالة فوضى مفتوحة إلى مسار تاريخي واضح المعالم.

تتضح من هنا العلاقة بين مفهوم الحسم ومفهوم الاستعادة، فالحسم لا يعني إغلاق المجال أمام السياسة، بل على العكس، هو ما يفتح المجال لعودة السياسة بمعناها الحقيقي، فحين يحسم الصراع حول طبيعة الدولة، يصبح من الممكن إدارة الخلافات داخل إطارها المشترك.

أما حين يبقى هذا السؤال معلقاً، فإن كل خلاف سياسي في تصوري يتحول تلقائياً إلى صراع وجودي يهدد الكيان كله.

وهكذا يصبح الحسم شرطاً لازماً لإعادة تأسيس الحياة السياسية، لا نهاية لها.

إنّ التجارب التاريخية تشير إلى أن الدول التي تواجه تحدياً وجودياً لا تستطيع الاكتفاء بإدارة الأزمة، بل تحتاج إلى لحظة وضوح تعيد تعريف مشروعها الوطني.

المصدر: اندبندنت عربية
زر الذهاب إلى الأعلى