التشيّع المصري
أتابع حالة التشيّع المصري منذ سنوات، وهي حالة لافتة للانتباه. مختلفة في جوانب ومتشابهة في جوانب اخرى مع حالات التشيّع السني (فالمسلمون جميعهم شيعة بحكم أن التشيّع يعني حبّ آل البيت والإيمان بحقهم في السلطة).
صحيح أن التشيع المصري بين عموم الناس تدين شعبي بريء، لكن الوضع مختلف مع تشيع النخبة المصرية، دينية كانت أو علمانية.
وفي هذا السياق، فإن فقرة خطبة الأزهر التي ذكر فيها الخطيب عليًّا وولديه، والسر الكامن في فاطمة، تمثل ارتقاءً من التشيّع الشعبي إلى التديّن السياسي، وهي ليست بعيدة عن الصراع الحالي.
والسر الكامن في فاطمة، في التصور الشيعي والصوفي، هو سرّ الإمامة والربط بين نبوة محمد وإمامة علي وأولاده، واستدعاؤه في هذا السياق يحمل دلالة سياسية صريحة، ويُفهم منه اصطفاف واضح مع محور الولي الفقيه ضمن هذا الإطار.
المؤسسة الدينية الأزهرية متشيعة من باب التصوف.وهي تحاول البقاء بعيدة السياسة فتفشل أكثر مما تنجح.
لكنني أيضا رأيت ليبراليين مصريين متشيّعين جدًا مثل يوسف زيدان وإبراهيم عيسى.
وإبراهيم عيسى حالة فريدة في التشيّع الثقافي المصري؛ فهو ينتقد سيرة النبي محمد، ويطالب بدراستها ونقدها، ويرفض الأحاديث، لكنه عندما يتعلق الأمر بعلي والحسين يتمسك بصحة أحاديث الكساء والعترة، والصورة المثالية الملائكية لهما. وفي حين ينظر إلى أحداث الفتنة الكبرى نظرة ناقدة، لا يتردد في التأكيد على أحقية علي في السلطة حسب المرويات التاريخية غير النقدية. (هو معادٍ لإيران لكنه يرى في التشيع التراثي مادة لنقد الاخوانية السنية المستندة الى ميراث السقيفة والخلافة!)
مصطفى محمود مثلا سجّل نفسه في نقابة الأشراف، وتفاخر بشهادة النسب. ومحمود شاكر (التراثي المحافظ إلى حد الجمود) كان مهووسًا بالتفاخر بهاشميته، بل إنه في دراسته عن المتنبي لفّق للمتنبي نسبًا هاشميًا!
المثقفون اليساريون المصريون لعبوا دورًا في تسييس التشيّع الشعبي في مصر. عبد الرحمن الشرقاوي في مسرحيتيه (الحسين ثائرًا، والحسين شهيدًا) شكّل وعي نخبة الفن المصري حول التشيّع. ونخبة الفنانين المصريين (عبد الله غيث، محمود ياسين، كرم مطاوع، حمدي غيث) تنافسوا في أداء وتسجيل مونولوج “الكلمة” الشهير الذي يصوّر المواجهة بين الحسين ويزيد من وجهة نظر التشيّع اليساري.
الوسط الفني المصري، وهو وسط علماني ليبرالي، شهد حالة تشيّع لافتة. نور الشريف مثلًا صرّح أنه لا يمكن أن يرضى بتمثيل دور معاوية، وخالد النبوي عند بطولته لمسلسل الإمام الشافعي ركّز كثيرًا على انتماء الشافعي لآل البيت.
والاستدعاء النخبوي المصري للتشيع اليوم هو استدعاء سياسي (عمرو واكد من اتعس النماذج واكثرها فجاجة لهذا الاستدعاء).
التشيّع (حب آل البيت)، سياسيًا كان أو شعبيًا، سنيًا كان أو شيعيًا، قنبلة يلعب بها أبناء “الغرب العربي”، لكنها لم تنفجر بعد في أيديهم، ولعب بها أبناء “الشرق العربي” فانفجرت في عيونهم وبترت أصابعهم.
والفارق هو بين من لا تزال أصابعه سليمة وممسكة بالقنبلة (مصر والمغرب)، ومن فقد أصابعه ويحاول الحفاظ على ما تبقى منها(اليمن والخليج والعراق والشام).