قراءة نقدية في تصريحات أنور قرقاش ودور الإمارات الإقليمي
عرض
في ظل هذه التحولات العاصفة، لم يعد من الممكن تجاهل الدروس القاسية التي كشفتها الأحداث الأخيرة، فالتجارب أثبتت أن السياسات القائمة على التدخل والصراعات لا تخلف سوى مزيد من الألم والخراب
تأتي تصريحات أنور قرقاش التي يزعم فيها أن دول الخليج كانت سندا وشريكا للجميع لتصطدم بواقع عربي مثقل بالأزمات، كثير منها لم يكن بعيدا عن سياسات بعض هذه الدول، وفي مقدمتها الإمارات..
فأي سند هذا الذي يتحدث عنه، والمنطقة العربية تشهد واحدة من أسوأ مراحلها التاريخية من التفكك والانقسام؟ وأي “شراكة” يمكن الترويج لها، بينما السياسة الإماراتية ساهمت في تعميق الأزمات بدل احتوائها وكان الثمن مزيدا من التمزق العربي؟.
أما التحول نحو التطبيع مع إسرائيل، فقد مثل نقطة فاصلة، ليس فقط من حيث المبدأ، بل من حيث التوقيت والسياق، إذ جاء هذا المسار في وقت لم تحل فيه القضية الفلسطينية، ليفسر على أنه انتقال من موقع الداعم إلى موقع إعادة ترتيب الأولويات بما يخدم مصالح استراتيجية جديدة، حتى لو تعارضت مع المزاج العربي العام..
ولا يمكن تجاهل الخطاب الإعلامي المواكب، حيث نلاحظ أن عددا من الكتاب الإماراتيين باتوا يتحدثون بصراحة عن أولوية المصالح مع الولايات المتحدة وإسرائيل، في تحول يعكس – بوضوح – إعادة تعريف لمفهوم الشراكة، بعيدا عن أي إطار عربي جامع..
في المقابل، تبدو المقارنة لافتة مع تجارب خليجية أخرى؛ فالكويت حافظت إلى حد كبير على دور توافقي وإنساني يحظى بالاحترام، بينما تبنت كل من البحرين وسلطنة عمان سياسات أكثر هدوءا وميلا إلى التوازن، بعيدا عن الانخراط الحاد في صراعات المنطقة..
في ظل هذه التحولات العاصفة، لم يعد من الممكن تجاهل الدروس القاسية التي كشفتها الأحداث الأخيرة، فالتجارب أثبتت أن السياسات القائمة على التدخل والصراعات لا تخلف سوى مزيد من الألم والخراب، وأن الشعوب هي من تدفع الثمن الأكبر، ومن هنا، فإن المسؤولية الأخلاقية والتاريخية تقتضي مراجعة صادقة، لا تبريرا ولا إنكارا..
لقد آن الأوان لوقفة مع الذات، تعترف فيها النخب والرأي العام في الإمارات بأن ما جرى في دول مثل اليمن وليبيا والسودان وفلسطين لم يكن بلا أثر، بل ترك جراحا عميقة تحتاج إلى مصارحة قبل أي مصالحة، فالقوة الحقيقية لا تكمن في النفوذ ولا في التحالفات العابرة، بل في القدرة على الاعتراف بالخطأ وتصحيحه..
كما أن الرهان على تحالفات خارجية أثبت محدوديته، فإسرائيل التي قدمت كحليف ضامن للأمن، تبدو اليوم نفسها غارقة في تحدياتها، وتبحث عمن يحميها ويثبت استقرارها، وهو ما يعيد طرح السؤال الجوهري: أين يكون الأمان الحقيقي؟.
الجواب، كما تثبته كل الأزمات، ليس في الارتهان للخارج، بل في استعادة الحد الأدنى من التضامن العربي، القائم على احترام السيادة، وعدم الإضرار بالآخر، وتغليب المصير المشترك على المصالح الضيقة. عندها فقط يمكن أن تستعيد المنطقة توازنها، ويصبح الحديث عن “السند والشراكة” حقيقة لا شعارا..