ايران ومرونتها وقدرتها على الانبطاح الإستراتيجي
قال ترمب أن الإيرانيين غريبون لأنهم يستجدون التفاوض سرًا وينكرونه علنًا! وما يعتبره ترامب غريباً هو في الحقيقة سلوك أصيل في المنطقة.
كنت أظنه سلوك عربي (الموت ولا العار، المتنبي الذي قتله بيت شعر)، لكن اتضح أنه سلوك شرقي أيضا.
بعض الثقافات الشرقية تسيطر عليها ثقافة الشرف والعار، وعادةً هذه الثقافات تفرض على الجميع معايير صارمة من الصعب الالتزام بها، و إحدى آليات التكيف مع صعوبتها هو اللجوء للتناقض بين ما يُمارس حقيقة وما يُقال في العلن. شخصية أحمد عبد الجواد (سي السيد )في الرواية الشهيرة ح محفوظ خير تصوير لهذه الشخصية.
فليس المهم ما هي حقيقة وضعك أو ما هي حقيقة أفعالك، لكن الأهم ما يراه الناس وما سيُقال عنك. ولا شك عندي أن نظام الملالي (ما تبقى منه) منخرط في مفاوضات مع أمريكا، وأنهم سيقدمون تنازلات تتجاوز توقعات الجميع، ولكنهم لن يصرحوا بذلك.
في تحليله للعقل الأخلاقي العربي قال محمد عابد الجابري إن الأخلاق العربية هي مزيج من ثلاثة أخلاق: أخلاق الطاعة الفارسية، وأخلاق الشرف والمروءة العربية، وأخلاق السعادة اليونانية. ورجح أن أخلاق الطاعة الفارسية كانت لها تأثير كبير منذ العصر العباسي، لكنها هي والاخلاق العربية في المحصلة النهائية لا تخرج عن ظاهرة التناقض بين الشكل والمضمون، وبين الحقيقة والتصريح.
لا شك ان إيران قد تاثرت بأخلاق المروءة والشرف (العار) العربية ومزجوها مع اخلاق الطاعة (والدهاء والحيلة في التعامل مع القوي).
المشكلة في ثقافة الشرف والعار أنها في مثل اللحظات التي تعيشها إيران حاليًا، وفي مثل اللحظة التي عاشتها غزة تحت حكم ميليشيات حماس أنها ثقافة تدميرية قد تؤدي إلى مجازر سيعاني منها الفلسطينيون والإيرانيون لعقود طويلة
،
لكن إيران اثبتت مرونه اكثر وقدرة على الانبطاح الاستراتيجي وقت اللزوم. وهذا قد ينقذها هذه المرة ويوجهها اكثر نحو الطاعة (الحيلة) اكثر من الشرف والمروءة (الانتحار).