كيف يدير اليمنيون اختلافهم تحت ضغوطات المعيشة

Author Icon الدكتور / نادر السقاف

مارس 27, 2026

في اليمن، لا يظهر التعايش فقط في الخطابات ولا في المناسبات الوطنية، بل يتجلى يومياً في السوق، في طوابير الغاز، في الباصات، وفي التحويلات المالية والتي أشتهر بها المغتربين اليمنيين والتي يعتمد عليها الاقتصاد اليمني بشكل كبير.

هنا، حيث تضيق الموارد وتتسع الحاجة، يضطر الناس إلى ابتكار أشكال عملية من التعاون مع من يختلفون معهم في الانتماء أو الرأي. هذه زاوية قلّما يُلتفت إليها: التعايش بوصفه «اقتصاداً يومياً» لإدارة شحّ الموارد اليومية، لا مجرد قيمة أخلاقية عامة.
حين يقف أشخاص من خلفيات متباينة في صف واحد للحصول على أسطوانة غاز، فإن ما يحكم سلوكهم ليس فقط الأخلاق، بل إدراك ضمني بأن أي فوضى ستضر بالجميع. في هذه اللحظات، ينشأ نوع من الاتفاق غير المكتوب: تقليل الاحتكاك، تنظيم الدور، والتغاضي عن الاستفزازات الصغيرة. هذا ليس مثالاً عابراً، بل نموذج متكرر لكيفية نشوء التعايش من الحاجة المشتركة.

في الأسواق الشعبية، تتجاور المحلات وتتشابك المصالح بين بائعين قد لا يتفقون على شيء خارج نطاق العمل. ومع ذلك، يتبادلون الزبائن، ويحترمون حدود التسعيرة، ويتدخلون لفض النزاعات حين تتصاعد. هنا، التعايش ليس خطاباً، بل آلية لضمان استمرار الرزق. أي خلل فيه يعني خسارة مباشرة للجميع.
هذه الممارسات تكشف عن فكرة مهمة: أن إدارة الاختلاف تصبح أكثر نضجاً عندما ترتبط بالمصلحة المشتركة. فبدلاً من مطالبة الناس بتبني قيم مجردة، يمكن الانطلاق من واقعهم: كيف نحمي مصادر الدخل؟ كيف نقلل الخسائر الناتجة عن النزاع؟ كيف نجعل التعاون أكثر ربحاً من الصدام؟
من هذه الزاوية، يمكن إعادة تعريف التعايش بوصفه «مهارة تنظيم المصالح». هذه المهارة تتضمن القدرة على التفاوض، وتقديم تنازلات جزئية، وفهم احتياجات الطرف الآخر دون تبنيها بالضرورة. وهي مهارة يتقنها كثير من اليمنيين بشكل فطري في حياتهم اليومية، لكنها لا تُرى ولا تُدرّس ولا تُبنى عليها سياسات.
في ظل تراجع الخدمات، ظهرت أيضاً شبكات تضامن محلية: جيران يتشاركون في تكلفة الماء، مجموعات تتعاون لتوفير الكهرباء، وأقارب ينظمون تحويلات مالية جماعية. هذه الشبكات غالباً ما تتجاوز الانقسامات الضيقة، لأن معيارها الأساسي هو القدرة على المساهمة والالتزام، لا الانتماء. وهنا يبرز شكل آخر من التعايش: التعايش القائم على الاعتماد المتبادل.
لكن هذا النموذج يظل هشاً إذا لم يتم تعزيزه بوعي أعمق. فحين تشتد الضغوط، قد تتحول المنافسة على الموارد إلى صراع. لذلك، يصبح من الضروري تطوير «قواعد غير مكتوبة» تحكم هذا الاقتصاد اليومي: الشفافية في التعامل، العدالة في التوزيع، وعدم استغلال ضعف الآخر. هذه القواعد ليست قوانين رسمية، لكنها تشكل أساس الاستقرار الاجتماعي.
يمكن للمؤسسات المحلية، من مدارس وجمعيات وإعلام، أن تلعب دوراً في إبراز هذه النماذج وتطويرها. بدلاً من الاكتفاء بالدعوة إلى التعايش، يمكن تقديم قصص حقيقية عن تعاون ناجح بين مختلفين في الفكر أو الرأي، وتحليلها، واستخلاص مبادئ قابلة للتطبيق.

كما يمكن تدريب الشباب على مهارات التفاوض وإدارة النزاع، ليس كترف فكري، بل كأدوات للعيش المشترك.
أحد التحولات المهمة هو تغيير السؤال من: «كيف نتقبل بعضنا؟» إلى: «كيف ننجح معاً رغم اختلافنا؟». هذا السؤال أكثر قرباً من واقع الناس، لأنه يربط التعايش بنتائج ملموسة: دخل مستقر، خدمات أفضل، وأمان اجتماعي أكبر. وعندما يرى الناس أن التعاون يحسن حياتهم مباشرة، يصبح التعايش خياراً عقلانياً، لا مجرد واجب أخلاقي.
كما أن هذه المقاربة تفتح الباب أمام دور أكبر للمبادرات الصغيرة. مشروع مشترك بين شباب من مناطق مختلفة، سوق تعاونية، أو حتى منصة محلية لتنظيم تبادل الخدمات، كلها أمثلة على كيف يمكن تحويل التعايش إلى قيمة اقتصادية ملموسة. ومع الوقت، يمكن أن تتوسع هذه التجارب وتؤثر في الثقافة العامة.
في النهاية، قد لا يحتاج اليمنيون إلى إعادة تعريف التعايش بقدر ما يحتاجون إلى الاعتراف بما يمارسونه بالفعل، ثم تطويره. فالتعايش موجود في تفاصيل حياتهم اليومية، لكنه غير مرئي في الخطاب العام.

وإذا تم تحويل هذا «الاقتصاد غير المرئي» إلى وعي مشترك، فقد يصبح أحد أقوى أسس الاستقرار في البلاد.
بهذا المعنى، لا يكون التعايش مجرد حلم بعيد، بل مهارة للبقاء والازدهار في آن واحد، مهارة يولدها الضغط، لكنها تزدهر حين تُفهم وتُدار بوعي.
غير أن هناك بعداً آخر يمكن أن يعمّق هذا الفهم، وهو أن هذا «الاقتصاد اليومي» لا يعمل فقط كآلية للبقاء، بل كمدرسة غير معلنة لإعادة تشكيل السلوك الاجتماعي.

فالشخص الذي يضطر يومياً للتعامل مع مختلفين عنه، والتفاوض معهم، وتجاوز احتكاكات صغيرة من أجل مصلحة أكبر، يبدأ تدريجياً في تطوير حس عملي بالإنصاف والمرونة. هذه القيم لا تُكتسب عبر التنظير، بل عبر الاحتكاك المباشر بالحياة.
في هذا السياق، يمكن النظر إلى الشارع اليمني باعتباره مساحة تدريب مستمرة على التعايش. فالبائع الذي يختار أن يغض الطرف عن خلاف جانبي ليحافظ على زبونه، والسائق الذي يوازن بين الركاب المختلفين لتجنب النزاع، ورب الأسرة الذي يدير موارده المحدودة بين احتياجات متعارضة، كلهم يمارسون شكلاً من أشكال الحكمة العملية التي تستحق أن تُفهم وتُعزّز.

لكن التحدي يكمن في أن هذه الخبرة تظل فردية ومجزأة، ولا تتحول بسهولة إلى ثقافة عامة أو سياسات مستدامة. وهنا تبرز أهمية التقاط هذه الممارسات وتحويلها إلى معرفة مشتركة: ماذا لو تم توثيق هذه التجارب؟ ماذا لو أصبحت جزءاً من الخطاب التعليمي والإعلامي؟ وماذا لو تم البناء عليها لتصميم حلول محلية تنطلق من الواقع بدلاً من استيراد نماذج جاهزة؟

إن إدراك التعايش كنتاج يومي للناس، لا كإملاء خارجي عليهم، قد يغير طريقة التعامل معه جذرياً. فهو لم يعد فكرة تحتاج إلى إقناع بقدر ما هو واقع يحتاج إلى تنظيم وتطوير. وعندما يُعاد تقديمه بهذه الصورة، يصبح أقرب إلى الناس، وأكثر قابلية للاستمرار.
بهذا، لا يكون السؤال كيف نُدخل التعايش إلى المجتمع، بل كيف نكشفه، ونحميه، ونمنحه الفرصة لينمو. لأن ما يُمارسه اليمنيون بالفعل—رغم كل التحديات—قد يكون بذرة لنموذج أعمق وأكثر واقعية للتعايش، نموذج يولد من قلب المعاناة، لكنه يحمل في داخله إمكانية الاستقرار.

 

زر الذهاب إلى الأعلى