إيران والمنطقة: بين الخطاب الثوري وحسابات النفوذ
بعيداً عن ضجيج الشعارات والانفعالات، تبدو الحاجة ملحة لإعادة قراءة دور إيران في المنطقة ضمن سياق واقعي يستند إلى المصالح لا إلى الخطابات. فمنذ عام 1979، لم يكن صعود إيران مجرد تحول داخلي، بل مثل بداية مرحلة جديدة في التوازنات الإقليمية، حيث تداخلت الأيديولوجيا مع الجغرافيا السياسية، واختلطت الشعارات الثورية بحسابات النفوذ..
قدمت إيران نفسها، منذ انتصار ثورتها، بوصفها حاملة لواء مقاومة الإمبريالية ونصرة القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، غير أن الممارسة على الأرض كشفت مسارا أكثر تعقيدا ، إذ ارتبطت سياساتها الخارجية ببناء شبكة نفوذ إقليمي عبر دعم جماعات وتنظيمات في عدد من الدول العربية. هذا التمدد، الذي جرى تبريره بخطاب أيديولوجي، استهدف دول المنطقة، وأصبح يمثل تهديدا مباشرا لسيادتها واستقرارها..
من هذا المنطلق، لا يمكن فصل تنامي الوجود العسكري الأمريكي في الخليج عن هذه المعادلة، فالدول التي استشعرت خطر التمدد الإيراني وجدت نفسها أمام خيار التحالف مع أمريكا بهدف توفير مظلة ردع، فنشأت علاقة معقدة: إيران ترفع شعار مواجهة الولايات المتحدة، بينما تسهم سياساتها، بشكل غير مباشر، في تكريس حضورها العسكري في المنطقة..
من جهة أخرى، فإن فكرة تصدير الثورة التي تبنتها طهران في بداياتها لم تقتصر على البعد الفكري، بل تجسدت عمليا في دعم حركات مسلحة وتشكيل أذرع نفوذ في أكثر من ساحة عربية. هذا النهج أسهم بالإخلال بالتوازنات الداخلية في دول مثل لبنان والعراق واليمن، وعمق الانقسامات وأضعف الدولة الوطنية، ما فتح الباب أمام تدخلات خارجية متعددة..
أما على صعيد الصراع مع إسرائيل، فقد ظل الأداء الإيراني محاطا بالتناقضات، فبينما كانت إيران تصعد من خطابها ضد إسرائيل، إلا أنها لم تنخرط في المواجهة معها، واستخدمت أدواتها الإقليمية ضمن حسابات دقيقة تخدم أولوياتها الاستراتيجية أكثر مما تعكس التزاما مباشرا بتحرير الأرض أو دعم الشعوب..
منذ أن قامت الثورة في إيران لم نكن أمام مشروع مقاومة حقيقي، بل أمام مشروع نفوذ استخدم خطاب المقاومة كوسيلة، مزج بين الأيديولوجيا والمصلحة، فتقدمت الحسابات الاستراتيجية على حساب القضية الفلسطينية..
إن التحدي الحقيقي أمام العالم العربي اليوم لا يكمن فقط في فهم الدور الإيراني، بل في إعادة بناء رؤية عربية مستقلة قادرة على التعامل مع هذا الدور بواقعية، فبدل الارتهان لمحاور متصارعة، تبرز الحاجة إلى مشروع عربي يعيد الاعتبار لمفهوم الدولة، ويؤسس لعلاقات إقليمية قائمة على التوازن والاحترام المتبادل، لا على التبعية أو الصراع المفتوح، والاستمرار تحت خيارات إما مع إيران أو مع إسرائيل، سيؤدي إلى مزيد من التآكل في بنية النظام العربي..