عندما يعجز الشيطان عن التنبؤ بالمآلات...¡
في أبريل من العام ٢٠٢٢ دخلت الحرب اليمنية في هدنة، بعد معارك استمرت منذ العام ٢٠١٥! في المعارك تلك، بحسب تقدير الملكيين الحوثيين، تعرضت قوات عبدالملك لحوالي ٢٧٠ ألف طلعة جوية.
هذا الرقم الكبير معقول إلى حد ما، فقد نقلت الصحافة الكويتية عن آمر القوات الجوية في الكويت بعد أقل من عامين من الحرب أن مقاتلات بلاده نفذت ٣ ألف غارة جوية على أهداف حوثية. لنتذكر أن حضور الكويت كان رمزياً، مع كل هذا البأس والبلاء، فماذا فعل الآخرون؟
كل ذلك الضجيج العسكري، بآلاته الحديثة، لم يستطع تدمير القوة الصاروخية الحوثية ولا بنيتها التحتية.
لنقل: لم يحل دون أن تلتقط الجماعة الأنفاس وتعاود إنتاجها وحيويتها. فلم يمض سوى عام ونصف على سريان الهدنة حتى برز الحوثيون على الساحة الدولية كمنصة كبيرة للصواريخ والمسيرات في أجواء الطوفان.
وبينما يذيع الروس خبر قصف أوكرانيا بصاروخ عابر للقارات، كما لو أن المعركة قد صارت في قبضتهم، يقول الأوكرانيون إنهم ذهبوا إلى السعودية لتوقيع اتفاقيات للتصنيع العسكري (المسيرات).
مثل الأوكرانيين، تعلم الحوثيون (بمساعدة كثيفة من حلفائهم) التصنيع العسكري تحت ظلال الحرب. لا تبدو إيران بعيدة عن مصير مشابه للنموذجين الحوثي والأوكراني.
لليمنيين تعبير بديع في هذا الشأن:
كروز والا عابر للقارات، هو قارح!
أي: مجرد انفجار.
ذهبت السكرة وجاءت الحسرة. الإطاحة بالنظام الإيراني، وتدمير قدرته، أي إنهاء وجوده العسكري عن طريق الصواريخ فكرة ساذجة للغاية. وأكثر سذاجة منها هو قصف شاحنة إطلاق بصاروخ تكلفته عشرة أضعافها.
نحواً من هذا ذهبت لغة سوليفان، مستشار الأمن القومي في عهد بايدن، وهو يتحدث عن معركة عبثية مع الحوثيين. بل ذهب أبعد من ذلك، في شتاء ٢٠٢٤ أبدى للصحفيين على ظهر سفينة مخاوفه من أن تنجح الآلة العسكرية الرخيصة في إهانة الآلة الثمينة وتخريبها، وعليه تخريب الإيميج الخاص بجيش بلاده.
آنذاك أرادت أميركا أن (تضرب الحوثيين ضربة يخر لها قلب الشجاع). غير أن قلب أحدهم، من أريد له أن يسمع ويرى، لم يفز من مكانه. كانت حرباً بائسة، كشفت حدود القوة أمام الإرادة. يمكن حساب القوة والقدرة، ويصعب على الجنرالات قياس الإرادة، وهذا ما يجعل المعارك المضمونة تخفق في أحيان كثيرة.
كل شيء عبثي، وإغواء القوة قاتل للذات. الآن يطير ترامب فوق إيران ويعود. ترجع طائراته وتبقى إيران على حالها، بشعبها الغاضب ونظامها الوحشي، وبجغرافيتها شديدة الصعوبة (٥٥% من أراضيها جبلية). وكذلك بخبرتها في صناعة السلاح. نصف قرن من الزمن استثمرتها إيران في احتراف تلك الصنعة. دولة الفقيه تلك انتظرتها جماعة من المسلمين لمئات السنين، دولة مزروعة في الخيال والمواويل والرؤى والأسماء. تماما كما انتظر يهود بولندا دولتهم التي تطير الآن فوق سماء الحسين. بقاء يواجه البقاء. صراع على مستوى النخاع. القائد هنا، في هذا الصراع الجوهري العميق، مجرد عابر، ممثل أحادي البعد لفكرة ذات أبعاد أربعة.
احتمل الحوثيون أكثر من ذلك، وهم محشورون في جغرافيا هي أقل من ١٥% من مساحة إيران. لنتذكر أن أميركا وبريطانيا طارتا أيضاً فوق مناطقهم ل ١٥ شهراً، وسال لعاب الجيشين على شوية أهداف، بما فيها محطات الكهرباء. ثم جاء ترامب وأضاف شهرين، وتباهى وزير دفاعه بقتل (قائد رفيع دخل للتو إلى خباء عشيقته). وجاء البولندي المهووس وقتل ودمر مصانع الإسمنت وطائرات الركاب. بعد كل هذا يقول الجيش الإسرائيلي: نراقب الحوثيين ونستعد لهم! وماذا فعلت كل تلك القنابل، ألم تنه وجودهم العسكري؟ لا. فهل تنجحون في إيران التي هي عبدالملك مضروباً في ألفين وسبعمائة؟
ثم ذهبت أميركا وتركت الحوثيين ينظرون إلى باب المندب وأياديهم على الزناد. حتى لو قتلوا القادة فإن سفن الجماعات لا تغرق. هذا ما أثبته الأبحاث التي أجرتها (جوردان) على عشرات النماذج: في أقل من ٢٠% فقط كان استهداف قائد الجماعة يؤدي إلى انهيارها.
لا شك لدي أن الحوثيين جماعة إرهابية؛ وأن النظام الإيراني كيان فاشي، وأن إسرائيل مستوطنة سامة، وأن أميركا التي تعاقب ٦٠ دولة في العالم وتخوض حربها رقم ٤١٠ منذ التأسيس، هي كيان إمبريالي وحشي في طبيعته.
غير أن تصادم كل هذه الكيانات السامة لن تنتج عنه حياة أفضل.
خصوصاً إذا وقع الصدام في الشرق الأوسط، هناك حيث يعجز حتى الشيطان عن التنبؤ بالمآلات. انسَ البولندي المهووس، من يحلم بهندسة الشرق الأوسط منذ ٤٠ سنة!