‏البطل المهزوم: لماذا نمجّد من يقودنا إلى الكارثة؟

Author Icon حسين الوادعي

أبريل 2, 2026

عرض

في التراجيديات المشهورة يظهر نموذج البطل المأساوب/التراجيدي: أوديب في ملك طيبة، الذي قتل والده وتزوج والدته دون أن يعلم؛ ومكبث في مسرحية شكسبير ، الذي دمره الطموح والجشع حتى فقد كل شيء.

عرفت الشعوب أنواعا عديدة من الأبطال: البطل المؤسس (بسمارك، جيفرسون)، البطل المحرر (ديغول، غاندي، اتاتورك)، والبطل النهضوي (مهاتير محمد، ميجي). لكن العرب في تاريخهم الحديث لم يعرفوا إلا نمطا مختلفا: البطل المأساوي. الزعيم الذي يتبنى مشروعا كبيرا أو شعارا نبيلا، لكنه يسعى لتحقيقه بوسائل قمعية أو لاعقلانية، فيقوده ذلك في النهاية إلى السقوط جارا معه شعبه نحو الهزيمة.

في التراجيديات المشهورة يظهر نموذج البطل المأساوب/التراجيدي: أوديب في ملك طيبة، الذي قتل والده وتزوج والدته دون أن يعلم؛ ومكبث في مسرحية شكسبير ، الذي دمره الطموح والجشع حتى فقد كل شيء.
في كل تلك التراجيديات يقع البطل في تناقض قاتل بين أهدافه وأفعاله. فالأدوات التي يستخدمها لتحقيق هدفه هي نفسها السبب في تدمير الهدف نفسه. وشخصيته البطولية تحمل داخلها بذور سقوطه وسقوط كل من هم حوله.

ولو تأملنا تاريخنا السياسي الحديث لوجدنا نماذج الأبطال محصورة في هذا النمط. فقد كان عبد الناصر يرى أن إلغاء الحياة السياسية والأحزاب وتقييد الحريات ورفض الديمقراطية ضرورة لتحقيق الاشتراكية والوحدة العربية والتحرر. لكن هذه السياسات نفسها دمرت الشروط التي يمكن أن تقوم عليها الوحدة والتنمية. فالأداة التي استُخدمت لبناء المشروع كانت هي نفسها التي أضعفته وأدت في النهاية إلى هزيمة 1967. وعندما أعلن ناصر استقالته وطلب من الجماهير محاكمته كان، بالمعنى الدرامي، يعترف بأن النظام الذي بناه لتحقيق الحلم كان هو نفسه أحد أسباب انهياره.

والتناقض ذاته يتكرر في نموذج السنوار. فقد رفع شعار تحرير فلسطين ومقاومة الاحتلال، لكن السياسات التي مارستها جماعته في الداخل الفلسطيني أضعفت المجتمع الذي يفترض أن يقود معركة التحرر.

فالقمع الداخلي وملاحقة الخصوم الفلسطينيين وتحويل المقاومة من مشروع وطني جامع إلى مشروع طائفي مرتهن لإيران، كلها سياسات أضرت بالقضية نفسها. ومع المغامرة العسكرية في 7 أكتوبر المنفصلة عن ميزان القوى وعن الكلفة البشرية والسياسية، تحولت الأفعال التي قُدمت باعتبارها طريقا للتحرير إلى عامل في تدمير الأسس الموضوعية لبقاء القضية الفلسطينية نفسها.

ويظهر التناقض نفسه في المشروع الإيراني بقيادة علي خامنئي. فمنذ عقود تُرفع شعارات “تحرير القدس” و“قيادة محور المقاومة”، لكن هذا الخطاب ترافق في الداخل الإيراني مع قمع سياسي وتضييق على الحريات وتدهور اقتصادي أفقَر ملايين الإيرانيين.

وفي الخارج تحول هذا المشروع إلى شبكة نفوذ طائفي وصراعات ساهمت في تفخيخ دول عربية مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن وإضعاف دولها وتمزيق مجتمعاتها. وهكذا أدت سياسات تُرفع باسم مقاومة إسرائيل إلى نتيجة معاكسة: استنزاف المنطقة وتفكيكها، وهو ما خدم مصالح إسرائيل أكثر مما أضر بها.

ومع ذلك، وكما لاحظ أمين معلوف، لدى العرب عادة غريبة في أسطرة المهزومين. فالاعتراف بالهزيمة يهدد منظومة كاملة من الأوهام واليقينيات، ولذلك تميل الذات المهزومة إلى تحويل الفشل إلى بطولة.

يصبح الزعيم الذي قاد إلى الكارثة بطلا لأنه قاتل حتى النهاية، وتُستعاد قيم الفروسية القديمة لتجميل واقع الهزيمة. لقد دمرت غزة وسُحقت إيران وضاعت القضية، لكن يكفي أن يموت القائد “مقبلا غير مدبر” حتى تتحول المأساة إلى أسطورة.

في النهاية، لا يتعلق الأمر بإنجاز حقيقي بقدر ما يتعلق بالحاجة النفسية إلى بطل يشبه الجماعة المهزومة. بطل مهزوم مثلها، ومهان مثلها، لكنه يمنحها وهما بالخلاص. وهكذا تتحول الهزيمة إلى مادة لصناعة بطولة نفسية، ويصبح الزعيم الذي لم يحقق شيئا بطلا في المخيلة، لأن الجماعة المهزومة تبحث في صورته المهزومة عن ذاتها التي أدمنت التعلق بالأبطال المهزومين.

زر الذهاب إلى الأعلى