أزمة البيانات هي جزء من أزمة الحوكمة

Author Icon وحيد الفودعي

أبريل 3, 2026

‏إنَّ من أبرز مفارقات الإدارة العامة في السياق اليمني أنَّ بعض المسؤولين أو المؤسسات قد يُظهرون قدرة ملحوظة على تمرير بيانات ومعلومات وأرقام دقيقة عبر قنوات غير رسمية، في سياق المناكفات السياسية، أو تصفية الحسابات، أو توظيف المعلومات أداةً في الصراع بين مراكز النفوذذ، وغالبًا ما تُمرَّر هذه البيانات إلى صحفيين أو ناشطين أو منصات إعلامية، لتتحول سريعًا إلى مادة متداولة على نطاق واسع في الفضاء الرقمي، من دون أن تمر بالمسار المؤسسي الطبيعي للنشر، ولا أن تخضع لمعايير الإفصاح العام المتكافئ.

وفي المقابل، يبدو الجهاز الرسمي عاجزًا، أو غير راغب، في إنتاج ونشر بيانات دورية موثوقة، شهريةً كانت أو سنوية، وفقًا لما تقتضيه أبسط قواعد الشفافية المؤسسية والمساءلة العامة، وبما ينسجم مع الممارسات المعتمدة في الدول التي تدرك أنَّ الإحصاء الاقتصادي جزء أصيل من بنية الحكم الرشيد، وأداة لازمة لصنع السياسات العامة الرشيدة وتقويمها.

وحتى حين يجري أحيانًا نشر بعض المؤشرات في بعض المؤسسات، فإنها تأتي في الغالب بصيغة إجمالية ومبتسرة غير دقيقة، وتفتقر إلى القدر الكافي من التفصيل والتبويب والاتساق الزمني والمنهجي، الأمر الذي يحدّ كثيرًا من قيمتها التحليلية، ولا يلبّي احتياجات الباحثين والخبراء في تشخيص الاختلالات الفنية وتحديد مصادرها الحقيقية.

إنَّ حجب البيانات أو تجزئتها أو إتاحتها بصورة انتقائية يُعدّ خللًا مؤسسيًا لا يقل خطورة عن الخلل في السياسة الاقتصادية ذاتها؛ لأنَّ كفاءة القرار العام ترتبط، ابتداءً، بكفاءة المعلومات التي يُبنى عليها؛ فحين تغيب البيانات المنتظمة، أو تُستبدل بالتسريبات، تنتقل المعرفة من المجال المؤسسي المنضبط إلى المجال الظني والانطباعي، وتتحول النقاشات الاقتصادية من التحليل القائم على الأدلة إلى سجالات يغلب عليها الطابع الحُكمي أو السياسي أو الإعلامي؛ وبهذا المعنى، فإنَّ أزمة البيانات هي جزء من أزمة الحوكمة نفسها، لأنها تعكس ضعفًا في إدراك الوظيفة العامة للمعلومة، بوصفها حقًا عامًا، وشرطًا للمساءلة، ومدخلًا لا غنى عنه للتشخيص السليم.

ويبرز هذا الخلل واضحًا في حالة شح السيولة المستمرة لأكثر من خمسة أشهر، من دون أن يصدر أي تقرير رسمي مفصل، أو دراسة مؤسسية جادة، تفسر الأسباب الحقيقية لهذه الأزمة، وتفكك عناصرها، وتحدد ما إذا كانت ناتجة عن نقص فعلي في النقد المتداول، أو عن اختلال في التوزيع الجغرافي والقطاعي للسيولة، أو عن مشكلات ثقة، أو عن قصور في الإدارة النقدية، أو عن مزيج مركب من هذه العوامل جميعًا؛ وحتى إذا افترضنا أن الجهة المعنية لا تمتلك القدرة الفنية الكافية لإنجاز دراسة تفسيرية متكاملة، فإنَّ الحد الأدنى من المسؤولية المؤسسية كان يقتضي نشر ما هو متاح لديها من بيانات خام ومنتظمة، بما يمكّن الباحثين والخبراء المستقلين من الإسهام في التشخيص، وسدّ فجوة التحليل، وإثراء النقاش العام على أسس علمية.

وعليه، فإنَّ استمرار الأزمة في ظل هذا الفراغ المعلوماتي يكشف عن قصور في فهم العلاقة بين الشفافية وكفاءة السياسة العامة؛ إذ لا يمكن إدارة أزمة نقدية معقدة بأدوات التعتيم، كما لا يمكن بناء ثقة السوق والجمهور في ظل غياب الإفصاح المنتظم والدقيقء، فالمعلومات الاقتصادية هي أحد الشروط الأساسية لسلامة التشخيص، ورشادة التدخل، وإمكان المساءلة.

خبير اقتصادي

زر الذهاب إلى الأعلى