تشريح لبنية ذهنية مغلقة
عرض
إنهم يمارسون الإرهاب الفكري الممنهج . يسلبون الإنسان أغلى ما يملك : مصداقيته. يحولون ساحة النقاش لمسرح للتكفير والتخوين . لكي يظل العضو سجين الرواية الواحدة. خائفاً من التفكير، مرعوباً من التساؤل
إننا بصدد تشريح بنية ذهنية مغلقة . عقلية ترى العالم من ثقب إبرة المقر . هنا ، الجماعة هي المركز والكون. ما عداها هو الهامش والضلال. نحن لا نناقش حزباً سياسياً عادياً . نحن نناقش كهنوتية مغلفة بشعارات دينية ووطنية .
تبدأ الأزمة بمرض الاستعلاء الإيماني. العضو يرى نفسه في قمة شامقة . يرى الآخرين غثاءً تائهاً . يظن أنه الوحيد الذي فهم مراد الله . فصار وصياً على العقيدة والوطن . هذا الشعور يمنحه حق تصنيف الناس .
من لم ينتمِ إليهم فهو قاصر. إيمانه ناقص ، ومعرفته بالله مشوهة. لا يرون فيك مواطناً له حق الاختلاف . يرونك مشروع هداية مؤجل أو عدواً لله والوطن. حب الدين عندهم صك تنظيمي حصري. فإذا عارضتهم، فأنت كاره للدين ، للوطن ، لمسعدة العظيمة.
في النهاية، هذا الاستعلاء هو عزلة انتحارية . فمن يحتقر صدق الناس ، ينبذه الناس. ومن يرى في نفسه وكيل الله في الأرض ، يسقط. الوطن يتسع للجميع ، والدين رحمة للعالمين. وليس إقطاعية لثلة ترى في المخالف مسيلمة.
هنا تتحول المعركة من فكرية إلى أخلاقية. الخصم عندهم لا يملك أهلية الصدق. الصدق صفة مرتبطة بالولاء للحزب فقط. فإذا جئت بحقيقة ساطعة ، قالوا : كاذب . وإذا قدمت دليلاً دامغاً ، قالوا : متآمر فاجر . هم لا يقرأون الدليل ، بل يفتشون في النوايا .
المنطق عندهم مقلوب وبائس. المخالف كاذب بالضرورة الجينية للتنظيم. فاسق من الفواسق لا تقبل له شهادة . هكذا يحصنون أتباعهم من سماع الحقائق . يصنعون جداراً نفسياً عازلاً ضد الواقع . الحقيقة المرة هي عدوهم الأول.
تبدأ الأزمة بمرض الاستعلاء الإيماني. العضو يرى نفسه في قمة شامقة . يرى الآخرين غثاءً تائهاً . يظن أنه الوحيد الذي فهم مراد الله . فصار وصياً على العقيدة والوطن
لذلك ، يغتالون الخصم معنوياً قبل نقده. يرمونه بالشيطنة لتسقط قيمته الاجتماعية . الاتهام بالكذب ليس حكماً ، لكنه تكتيك حربي. لإيهام الأتباع أن العالم يتآمر عليهم . وأن كل صوت معارض هو محض افتراء.
أما المأساة الكبرى فهي المنشق. من كان معهم ثم استرد عقله وخرج . هذا هو العدو الأخطر على الإطلاق . لأنه يملك مفاتيح الزيف الداخلي. ولأنه كسر هالة القداسة للتنظيم . الخروج عندهم هو ردة كاملة الأركان .
يُستحضر فوراً إرث مسيلمة الكذاب. يوصم الخارج بأنه خائن للعهد والأمانة . تنهش الآلة الإعلامية عرضه وذمته بضراوة . الهدف هو تدمير الشاهد لإعدام الشهادة . لكي لا يجرؤ أحد على تصديق ما يقوله . وما حدث مع مانع سليمان مثالاً صارخاً .
هذا الفكر قائم على تأميم الأخلاق. الصدق ملك للمرشد يوزعه كيف يشاء . والكذب قدر محتوم على كل من سواهم . هي عقلية الفسطاطين التي لا تقبل شريكاً . إما تابع ذليل، أو خصم كاذب فاجر.
أنا أرى في هذا إفلاساً أخلاقياً مروعاً . فالحق لا يحتاج لشيطنة الناس ليظهر . والصدق لا يحتاج لصكوك غفران حزبية. هم يخشون الندية لأنها تكشف ضعفهم . ويخشون الحوار لأنه يعرّي جهلهم بالواقع .
هذه النظرة الدونية للمجتمع هي مقتلهم. يرون الناس قطيعاً يحتاج لراعي وسوط . يحتقرون ذكاء المواطن وقدرته على التمييز . يظنون أنهم الصفوة والبقية رعاع كاذبون. وهذا الغرور هو بداية السقوط الحتمي.
تتحول المعركة من فكرية إلى أخلاقية. الخصم عندهم لا يملك أهلية الصدق. الصدق صفة مرتبطة بالولاء للحزب فقط. فإذا جئت بحقيقة ساطعة ، قالوا : كاذب . وإذا قدمت دليلاً دامغاً ، قالوا : متآمر فاجر . هم لا يقرأون الدليل ، بل يفتشون في النوايا .
إنهم يمارسون الإرهاب الفكري الممنهج . يسلبون الإنسان أغلى ما يملك : مصداقيته. يحولون ساحة النقاش لمسرح للتكفير والتخوين . لكي يظل العضو سجين الرواية الواحدة. خائفاً من التفكير، مرعوباً من التساؤل .
الحقيقة عندهم مجرد أداة وظيفية. تخدم التنظيم فهي حق ، تعارضه فهي باطل. لا وجود لقيم مطلقة خارج إطار الحزب . الصدق وسيلة، والكذب وسيلة ، والتقوى وسيلة . الغاية هي البقاء وتمكين الحزب من الوطن ، حتى لو تدمر ، حتى جعلوه ركاماً لأجل تحقيق هذه الغاية .
في النهاية، هذا الاستعلاء هو عزلة انتحارية . فمن يحتقر صدق الناس ، ينبذه الناس. ومن يرى في نفسه وكيل الله في الأرض ، يسقط. الوطن يتسع للجميع ، والدين رحمة للعالمين. وليس إقطاعية لثلة ترى في المخالف مسيلمة.
أنا أقولها بوضوح : عقلية الإخونج تخشى النور. تعيش في ظلام التآمر وسوء الظن . ترى في كل مراجعة خيانة، وفي كل نقد كذباً. هي عقلية مريضة . لن تبني مستقبلاً ، ولن تخلق إلا الكراهية .
يغتالون الخصم معنوياً قبل نقده. يرمونه بالشيطنة لتسقط قيمته الاجتماعية . الاتهام بالكذب ليس حكماً ، لكنه تكتيك حربي
أخترت مانع سليمان كنموذج بصري لهذا المقال. مانع يمثل تجسيداً حياً لهذه المأساة التنظيمية التي شرحتها. إنه الشخص الذي امتلك شجاعة المراجعة، فكان الرد عليه ليس بمناقشة أفكاره. كان الرد بمحاولة محو وجوده الأخلاقي عبر آلة التشويه والتسفيه والشيطنة .