الأحد، 5 أبريل 2026 | الموافق ١٧ شوال ١٤٤٧ هـ
الرأي

مأرب … السد وصافر صنًوان الحياة والسيادة والبقاء..!

حتى سد مأرب لم يعد سد يؤدي وظيفته التأريخية والحضارية، لقد تقلص دور مخزون هذا السد الذي صنع الجنتين ، وصار هناك توجهاً محلي وسياسي لتدميره ، بالإضافة إلى العبث بحياة المزراعين والسكان، وبذلك تعمقت أزمة المياة وأزمة الزراعة ،وصار هناك من يعتبر بعض هذه  السياسات والخيارات على أنها تندرج ضمن العديد من اشكال افشال مأرب ومحاولة تعميق أزمتها لإختطافها وزيادة الفقر بين ابنائها وقبائلها.

لقد تعلمنا من الآباء والأجداد و من موروثنا الحضاري بمأرب وعندما كنا نستمع إلى اجدادنا الأوائل انهم ظلوا طوال حقب التاريخ القديم والحديث ،يطلقون مقولة كلنا يعرفها ويحفظها وهي " أبونا صافر وأمنا السد" فهاتين المنشأتين من الله بها على أهالي منطقة مأرب كمنحة ربانية وليست من صنع البشر .

و لم تكن هذي المقولة هامشية أو ظرفية ، ولكنها تحمل أبعاداً استراتيجية اقتصادية ومعيشية عظيمة ، لان "أمنا السد " كان المقصود فيها  أن سد مأرب ذلك السد العظيم كان يوفر لهم المياة ، وشريان الحياة الرئيسي ، فهو المورد المائي العذب الذي يشربون منه ويسقون به أراضيهم الخصبة والمرعى، والتي كانت توفر لهم الاكتفاء الغذائي ويصدرون الباقي للجوار .

فاليوم تعاني محافظة  مأرب أرض الجنتين من جفاف حاد، وصعوبة في الحصول على المياه الجوفية التي تتغذى بشكل رئيسي على مياه سد مأرب،

أما أبونا "صافر" فهنا كان يقصد بها الأجداد عملية استخراج الملح الصخري من جبال صافر ،والذي كان يتم استخراجه وتسويقه من قبل ابناء مأرب، وفق آليه معينه وعوائد مالية تحكمها قوانين وأعراف بين ابناء هذي المنطقة التاريخية ، لم يكن غريباً ان يطلق الآباء تلك المقولة والتي لم تكن من فراغ ،بل انها كانت تشكل قاعدة اقتصادية واستقلال واكتفاء ذاتي.

وادي"  أذنه" يضم تلك البحيرة الذهبية الزرقاء، التي تبداء من أقصى جبال خولان السامقة ،وتنساب السيول اليها ومن حولها ومن اطراف وديان اب الخضراء وبعض سهل تهامة ، بل ان معظم سيول اليمن تتجمع لتنحدر باتجاه وديان مأرب ، فمن هناك تاتي السيول المتلألئة، التي تنساب بشكل بديع إلى بحيرة سد مأرب العظيم ، لسقي الحقول والأراضي الزراعية، ولتصنع من أرض مأرب جنة خضراء ، وسلة الغذاء التي تسهم في دعم الغذاء على المستوى المحلي والوطني.

أختلف الواقع عن التأريخ والماضي،  فاليوم تعاني محافظة  مأرب أرض الجنتين من جفاف حاد، وصعوبة في الحصول على المياه الجوفية التي تتغذى بشكل رئيسي على مياه سد مأرب، التي كان في الماضي القريب وبعد بناء السد وقنوات الري ، والتي صممت لسقي مناطق في أقصى وادي عبيدة.

هذه السلطة وضعت مأرب في أسوأ وضع لها ،انهكت السكان والمزارعين ،ولم تحدث أي تطور أو تنمية في الجانب الزراعي التنموي،

فسد مأرب الذي اعيد بناءه من المؤسف تم اغلاقه في العقد الاخير وبشكل متواصل ولم تفتح بوابات سد مأرب، إلا عندما فاض السد من كثرة السيول القادمة اليه خلال منخفض عام 2020، ومنذ ذلك الوقت وبوابات سد مأرب مصفدة بالسلاسل والأقفال، في ظل اصرار قيادة سلطة مأرب المحلية ومع سبق الإصرار والترصد في حرمان ابناء مأرب من تلك الهبة الربانية والمجانية التي وهبها الله للناس، حتى يسقوا بها مزارعهم ويرفع من منسوب المياة الجوفية والسطحية، التي يستخدمها المواطنون للشرب وريي مزارعهم وحقولهم والاستخدام المنزلي.

ورغم مطالب سكان محافظة مأرب المتواصلة وفي عدة مناسبات من المجلس المحلي بوادي عبيدة ، ومن مدراء مديريتي مأرب الوادي ومدينة مأرب ،  بفتح بوابات سد مأرب الذي يحتوي على مياه كبيرة وفي ظل توافد سيول جديدة لبحيرة السد ، والتي لم تلقى صدى من مشروع سد مأرب الذي اكد أن سلطة مأرب ظلت تتجاهل تلك المناشدات لتشغيل وفتح السد مع أنها المخول الوحيد بفتح بوابات سد مأرب .

وبعد أن رفع المزارعين الكثير من الشكاوي والأضرار التي لحقت بهم وبمزارعهم، وتأثر مخزون المياه الجوفية الذي إصبح صعباً الوصول إلية نتيجة لاستمرار اغلاق مياه سد مأرب، لكن تلك المطالب لم تجد اذانً صاغية في الهرم الاعلى بسلطة مأرب، التي على ما يبدو تمارس حرب ظالمة ضد المزارعين، الذين لم يعد بمقدورهم تحمل الأعباء المالية والمكلفة في تعميق ابار مياه الشرب، وفي ظل الخسائر المتلاحقة والتي يتكبدها المزارعين من مردودات الزراعة التي يعول عليها اكثر من 85‎%‎ من ابناء مأرب في دخلهم ومعيشتهم في ظل الأوضاع الاقتصادية التي يمر بها وطننا الغالي.

يمثل اغلاق بوابة سد مأرب  جريمة يعاقب عليها القانون ، كما أن  استمرار سلطة مأرب في اغلاق بوابه سد مأرب ،وعدم السماح بخروج الماء عبر القنوات التي من اجلها تم بناء السد، يشكل نهجاً عبثياً بالموارد السيادية ، وانتهاج سياسة العقاب الجماعي للسكان المحليين، الذين يعتمدون على الزراعة وسبل العيش الكريم، ويشكل خطراً كبيراً على مستقبل الزراعة واتساع رقعة التصحر وندرة المياه الجوفيه.

وتأثر مخزون المياه الجوفية الذي إصبح صعباً الوصول إلية نتيجة لاستمرار اغلاق مياه سد مأرب، لكن تلك المطالب لم تجد اذانً صاغية في الهرم الاعلى بسلطة مأرب، التي على ما يبدو تمارس حرب ظالمة ضد المزارعين

ومع استمرار اغلاق السد لسنوات فإن أبناء مأرب طالبوا ومازالوا  يطالبون بالحصول على المياه التى وهبها الله لهذه المحافظة ، بينما تصر سلطة مأرب رغم المناشدات المتكرره على حرمانهم منها في محاوله لإفقار المجتمع .

سكان مأرب لا يطالبون حالياً من سلطة مأرب التي وضعت يدها وقواتها العسكرية على موارد النفط والغاز، والتي حرم من خيرها ابناء مأرب وابناء الشعب ، والتي اصبحت كلها تتجه للسوق السوداء وما ادراك ما السوق السوداء والمستفيدين منها ومن يديرها.

وفيما  لا تحتاج سلطة مأرب وحاشيتها والمقربين منها، وممن تم شراء ولاءها بأموال وأرباح وعوائد صافر من النفط والغاز، والتي  تمتلك ابار نفط خاصة بهم ،ومحطات غاز وبنزين وهوامير السوق السوداء وهم لا يحتاجون للزراعة والريء فقد اصبحوا بين ليلةً وضحاها من المترفين. فأن معظم ابناء مأرب بسطاء ، ويعملون بكدهم وعرقهم ،وليس معهم سوى مزارعهم وحلالهم التي يعتمدون عليها في تسيير حالهم ويقتاتون منها ما يسد رمقهم ويحفظ كرامتهم، في ظل سلطة ابتلى الله بها مأرب ،والتي لا تحمل الحد الادنى من المسؤلية الأخلاقية والقانونية تجاه مأرب وابناءها، التي لولا مأرب وابناءها لم يكونوا ليتبوأ هذي المكانه..!!

هذه السلطة وضعت مأرب في أسوأ وضع لها ،انهكت السكان والمزارعين ،ولم تحدث أي تطور أو تنمية في الجانب الزراعي التنموي، وأغلقت الحياة الحرة، لذا صدق ما حدده شاعر اليمن الكبير عبدالله البردوني ، الذي كان قد حباه الله ببصيرة فذه ،وهو يتحدث عن واقع ومتغيرات ستأتي بعده حاملة الذل والاستغلال ، وكإنه كان يرى ويعلم ما سيحدث لمهد الحضارة، ومنبع التاريخ مأرب في قصيدته التالية:-

لماذا لي الجوع و القصف لك ؟
يناشدني الجوع أن أسألك
و أغرس حقلي فتجنيه أنـ
ت ؛ و تسكر من عرقي منجلك
لماذا ؟ و في قبضتيك الكنوز ؛
تمدّ إلى لقمتي أنملك
و تقتات جوعي و تدعى النزيه ؛
و هل أصبح اللّصّ يوما ملك ؟
لماذا تسود على شقوتي ؟
أجب عن سؤالي و إن أخجلك
و لو لم تجب فسكوت الجوا
ب ضجيج ... يردّد ما أنذلك !
لماذا تدوس حشاي الجريح ؛
و فيه الحنان الذي دلّلك
و دمعي ؛ و دمعي سقاك الرحيق
أتذكر " يا نذل " كم أثملك !
فما كان أجهلني بالمصير
و أنت لك الويل ما أجهلك !
غدا سوف تعرفني من أنا
و يسلبك النبل من نبّلك
ففي أضلعي . في دمي غضّبة
إذا عصفت أطفأت مشعلك
غدا سوف تلعنك الذكريات
و يلعن ماضيك مستقبلك
و يرتدّ آخرك المستكين
بآثامه يزدري أوّلك
و يستفسر الإثم : أين الأثيم ؟
و كيف انتهى ؟ أيّ درب سلك ؟
غدا لا تقل تبت : لا تعتذر
تحسّر هنا مأملك
و لا : لا تقل : أين منّي غد ؟
فلا لم تسمّر يداك الفلك
غدا لن أصفّق لركب الظلام
سأهتف : يا فجر : ما أجملك !

● رئيس مركز مداري للدراسات والأبحاث الإستراتيجية.
4 ابريل 2026.‎