الأحد، 5 أبريل 2026 | الموافق ١٧ شوال ١٤٤٧ هـ
الرأي

السياسة ليست معركة شعارات

التناقض هنا .. ليس رأياً. ليس زاوية نظر . هذا خلل. خلل عميق في بنية الوعي . خلل يجعل الإنسان يقف في المكان ونقيضه في اللحظة نفسها … دون أن يشعر أنه انكسر .

أن ترى الخطر الفارسي تهديداً وجودياً حين يقترب منك … ثم تراه فرصةً حين يقترب من غيرك … هذا ليس ذكاءً سياسياً . هذا ارتباك. هذا وعيٌ يتبدّل مع المزاج ، لا مع الحقيقة.

المشكلة ليست في السياسة. المشكلة في الداخل. في عقلٍ يُجزّئ العالم . يضع كل صراع في صندوقٍ منفصل. يغلق عليه. يريحه مؤقتاً. ثم ينسى أن الصناديق متصلة. أن النار التي تشتعل هناك … طريقها إليك مفتوح .

هو لا يرى الصورة. لا يرى الامتداد . يرى لحظةً صغيرة … فينفعل. يرى خصماً قريباً … فيبحث عن أي أداة لإيلامه. حتى لو كانت الأداة نفسها هي العدو . حتى لو كانت مسمومة. حتى لو كانت ستعود إليه .

هذه سيكولوجيا نكاية . سيكولوجيا جارٍ يحرق بيته … لأن الدخان سيزعج جاره. سيكولوجيا لحظة … تقتل المستقبل .

المبدأ هنا … يُذبح بهدوء.
المبدأ ليس رفاهية. ليس موقفاً انتقائياً. ليس شعاراً يُرفع ويُسقط حسب الحاجة. المبدأ … ثبات. امتداد. معيار لا يتبدّل بتبدّل الضحية .

إن كان العدو الفارسي خطراً لأنه يقوّض السيادة ويخترق الجغرافيا ويعيد تشكيل الهوية … فهو خطر دائماً. لا يصبح مقبولاً لأنه أصاب خصمك. ولا يتحوّل إلى حليف لأنه خدم رغبتك في الانتقام .

يبدأ السقوط الحقيقي. حين يتحوّل العدو إلى خيار. حين يُدرج في قائمة البدائل. حين يُنظر إليه كأداة.

حين تبرّره … أنت لا تناقشه . أنت تتنازل. حين تفرح به… أنت لا تنتصر. أنت تنكسر .

تفقد حقك الأخلاقي بالكامل. لأنك تقول ضمناً : العدو مقبول … إذا كان في الاتجاه الصحيح . وهذه ليست سياسة. هذه خيانة للمعنى .

سيكولوجياً … هذا ما يمكن تسميته تجزئة الوعي. العقل يعجز عن الربط بين النتائج. فيفصل الأحداث عن مآلاتها . يرى الفعل … ولا يرى نهايته . يشعر باللذة اللحظية … ويغفل الكلفة المؤجلة .

وهنا يحدث الانحراف. يتحوّل التشفي إلى بوصلة. تتحوّل الكراهية إلى معيار . ويُستبدل التفكير الاستراتيجي بردّ الفعل الغاضب .

سياسياً … هذا انتحار. انتحار واضح. بلا مجاز .
المشاريع التوسعية لا تتحرّك وفق رغباتك. لا تعمل كأداة . لا تُستخدم كوسيط. هي مشروع. مشروع كامل. له هدف. له مسار. له توقيت . ومن يصفّق لها في ساحة … يفتح لها الطريق في ساحة أخرى . من يبرّر عبورها … يسهّل استقرارها .

تفقد حقك الأخلاقي بالكامل. لأنك تقول ضمناً : العدو مقبو

الجغرافيا لا تُحمى بالتشفي. تُحمى بالتماسك. والتماسك لا يُبنى على مواقف متقلبة . ومن يفتح ثغرة في جدار حليفه… لا يضعفه فقط. يعرّي نفسه. يهدم خط دفاعه الأول. يقدّم للعدو خريطة العبور.

السياسة ليست معركة شعارات . ليست تصفية حسابات شخصية. هي إدارة بقاء. إدارة توازن. بناء كتلة صلبة تمنع الاختراق . وأي تفتيت لهذه الكتلة … هو خدمة مجانية للعدو .

الأخطر من كل ذلك … هو الشرعية. حين يصفّق عربي لانتصار فارسي في جغرافيا عربية … هو لا يعبّر عن غضب . هو يمنح شرعية. يمنح العدو مكاناً أخلاقياً لم يكن يملكه .

وهنا يبدأ السقوط الحقيقي. حين يتحوّل العدو إلى خيار. حين يُدرج في قائمة البدائل. حين يُنظر إليه كأداة … لا كخطر . هذه هي اللحظة التي ينهار فيها الوعي . تُنسى التهديدات الكبرى. تُمحى الذاكرة. تُختزل الصراعات في معارك جانبية صغيرة . يُستبدل التاريخ بلحظة غضب .

المشكلة ليست في السياسة. المشكلة في الداخل. في عقلٍ يُجزّئ العالم . يضع كل صراع في صندوقٍ منفصل

وفي النهاية .. النار لا تفهم نواياك. لا تسأل لماذا أشعلتها . لا تفرّق بين بيتك وبيت جارك . تحرق. فقط .

ومن يظن أنه يستطيع توجيهها .. سينتهي بها … لا بها إليه .