الإثنين، 6 أبريل 2026 | الموافق ١٨ شوال ١٤٤٧ هـ
الرأي

‏الخليج بعد الصدمة: من ظنون الهشاشة إلى بناء النفوذ

الاستلاب المتراكب والذل الطوعي

إذا انتهت حرب الخليج الثالثة هذه عند هذا المستوى، فإن الدول العربية المطلة على هذا الخليج ستخرج بفائدةٍ أكثر من الضرر، طالما استطاعت امتصاص صدمة التعرّض لاعتداء عسكري، مع الحفاظ على التماسك والتكيف العاجل.
انطلاقًا من تورية "مدن الملح"، كانت النظرة العامة إلى هذه الدول تقوم على أنها في موقع هشّ، بحيث إن تعرضها لضربة عسكرية حادة أو تهديد عالٍ قد يكون كفيلًا بإذابتها. والحقيقة أنها بلغت من البناء المتين والموارد البشرية والمادية ما يمكّنها من امتصاص الصدمة (بمعانيها النفسية والمادية) والذهاب نحو التكيف الفعّال وإعادة رسم التوازنات.

التجارب تختبر صلابة الدول. النظام الإيراني أظهر قوة كبيرة في المقاومة، من أجل الحفاظ على النظام وربما على حساب مقدرات الدولة، بينما تجربة دول الخليج العربي قاسية ومفيدة على أكثر من مستوى:

لم تُخيّب آمال الاستثمار الكبير في التسليح الدفاعي، على عكس ما كان يُعايَر به البعض ،وربما ينبغي الذهاب نحو الاستثمار في التسلح الهجومي لاحقًا.

في المشهد الدولي، بدت أوروبا باهتة ومحدودة التأثير دبلوماسيًا وأمنيًا، ما يفتح المجال أمام تشكّل محاور إقليمية أكثر تماسكًا، تحتل فيها كلٌّ من باكستان وتركيا موقعًا وازنًا.
وفي ظل الحذر الصيني من الانخراط في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، سواء دبلوماسيًا أو عسكريًا، قد يتنامى بدوره حذر خليجي تجاه الصين، التي يساهم ترددها في إطالة أمد الفراغ الاستراتيجي في المنطقة. وهو فراغ تبدو دول الخليج مؤهلة لملئه، وربما مدعوة إلى ذلك.

تبقى الطاقة الحرارية في صميم السياسات الدولية المستقبلية برسم الاحتكار الأمريكي للإنتاج والتوريد في الأزمات ، ومستقبل النفط يُصنع خارج إملاءات الأيديولوجيا الخضراء، وأمريكا منافسٌ وحامٍ في آنٍ واحد. وستبدي دول الخليج مقاومةً أشد لسياسات الانتقال الطاقي.
وهذا سيكون بالخروج التدريجي من التبعية الأمنية، وبناء تحالفات براغماتية متشعبة تتجاوز الوحدة العضوية الهوياتية وترتكز على المصالح.

انقسام مواقف التيارات الإسلاموية تجاه هذه الحرب بين الغموض والتردد ،مع تأكيد أولوية العداء لاسراءيل على إيران سيقود إلى نفخ سياسة عدائية خليجية ، اتجاه بعض التيارات، وهذا يرجح تعميق الشقاق مع تيار الإخوان المسلمين.

تظل إيران دولة هشة لكنها مزعجة، ومعالجة إزعاجها قد تكون في احتواء أذرعها الخارجية أولًا. كما أن هيبتها، التي طالما تضخّمت في طور التهديد، تبدو أقل وقعًا بعد الانتقال إلى طور الفعل.

هذه الخلاصات تُلقي بظلالها على مستقبل العمل العربي المشترك، خاصة مع تعمق الشقاقات وسقوطها في فخ مسارات الشعبوية.

وربما يُعاد رسم استراتيجية الأمن الإقليمي الخليجي وفق دوائر مختلفة، تتحدد بتأمين الشمال والجنوب، وبهذا تصبح سوريا واليمن عقدة التمفصل الأمني في العقود القادمة، لتمكين هذه الدول من تأمين وصول بري ثم بحري إلى العالم الخارجي خارج أزمات المضائق.
موقف سلطنة عمان في هذه الحرب يُنتج حذرًا أكثر من إنتاجه للفرص.

كما يُرجّح أن تتجه الاستثمارات نحو تطوير بنى تحتية برية تمتد إلى موانئ خليج عدن والبحر المتوسط، بما يعزز من استقلالية الحركة الاستراتيجية.

غير ان العلاقات الخليجية–الخليجية قد تتعرض لاختبارات صعبة لتحديد اوجه الاصطفافات الداخلية وقد تعاني من تصدع قادم بسبب الموقف من التعاون مع إسرائيل. وربما تنضم الكويت إلى صف الإمارات والبحرين في تعزيز التعاون الأمني والعسكري مع إسرائيل، بينما تتقارب قطر مع السعودية.
وأخيراً ،فإن طريقة خروج ترامب من مستنقع هذه الحرب ستكون عاملًا حاسمًا في تحديد ملامح المرحلة المقبلة خليجياً: بين احتمال تجدد المواجهة مع إيران وتوسع رقعتها، أو انسحاب مفاجئ يترك إسرائيل أمام استحقاقاتها الجيوستراتيجية ويعمق الفراغ الذي يجب عن التاخر في ملئه. 
وهي معطيات ستشكّل، إلى حد بعيد، الإطار الناظم للتحولات الخليجية القادمة.