ما زلت أرى أن القضية الجنوبية في اليمن ليست مجرد امتداد سرديّ لما جرى في الماضي، بقدر ما هي اختبار مستمر لكيفية استحضار ذلك الماضي داخل الحاضر، وإعادة تشكيله، بالقدر الكافي، في صورة معنى سياسي قابل للحياة.
لاحظوا معي من فضلكم أن الماضي، حين يُستدعى بلا نقد، يتحول إلى عبء يُعيد إنتاج ذاته تحت مسميات جديدة، حتى وإن بدت هذه المسميات لامعة في ظاهرها.
ولذلك أتصور أن جوهر الإشكال لا يكمن في الذاكرة بحد ذاتها، بل في طريقة توظيفها: هل تُستدعى بوصفها خبرة تُعين على الفهم والتجاوز، أم تُستخدم كأداة لإعادة تدوير الأزمات؟
ذلك أن أي مشروع سياسي لا ينجح في تفكيك ماضيه نقدياً، محكوم عليه بأن يظل أسير تكراره، مهما تغيّرت لغته أو شعاراته أو حتى مغرياته.
في هذا السياق المشار إليه أعلاه، تتبدى إشكالية القضية الجنوبية من نقطة تبدو بديهية، لكنها تخفي تعقيداً عميقاً: فهي ليست مجرد مطلب سياسي قابل للإدراج ضمن عملية تفاوضية شاملة، بل هي في جوهرها سؤال مفتوح حول طبيعة التمثيل وحدود المشروعية.
من يملك حق الحديث باسم الجنوب؟
وعلى أي أساس تُبنى هذه المشروعية؟
وهل هي مستمدة من التاريخ، أم من الواقع، أم من القدرة على إنتاج أفق سياسي جامع؟
لاحظوا معي أن هذه الأسئلة الجوهرية شديدة الأهمية لا تعكس فقط أزمة عميقة في تعريف القضية، بل وتكشف عن مأزق أعمق يتعلق بإمكانات إعادة تعريف الذات السياسية في سياق متغير وواقع مأزوم، حيث تتداخل الهويات وتتصادم سرديات "الجنوب اليمني" و"الجنوب العربي"، وتصبح الإجابة ذاتها محل نزاع لا يقل حدة عن القضية موضوع النقاش.
ولعل ما يزيد من تعقيد هذه المسألة هو غياب نقطة ارتكاز مشتركة يمكن أن تنطلق منها عملية حوار حقيقية، لا على مستوى الكيانات السياسية والمجالس والأحزاب فحسب، بل حتى داخل البنى الاجتماعية الأكثر حميمية.
أنظروا بتمعن وتجرد إلى التالي: حين يمتد الاختلاف إلى داخل الأسرة الواحدة، كما يظهر في التباين داخل أسرة الراحل علي سالم البيض باعتباره كان الرجل الأول في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية من خلال موقعه كأمين عام للحزب الاشتراكي اليمني، بين عدنان البيض وعمرو البيض من جهة، وهاني البيض وينوف البيض من جهة أخرى، فإن ذلك لا يعكس في تصوري مجرد اختلاف في المواقف، بل يكشف عن تعدد عميق في تصورات المعنى ذاته: "معنى الجنوب"، و"معنى القضية"، و"معنى المستقبل الممكن".
وعليه؛ لا يعود الخلاف هنا سياسياً فحسب، بل يتحول إلى اختلاف في تأويل الواقع، وفي تحديد ما يجب أن يكون عليه.
من هذا المنظور، يبرز التساؤل حول إمكانية أن تتحول مثل هذه النماذج، رغم تناقضاتها، إلى مدخلٍ إيجابي يؤسس لوعي جديد يتجاوز ثنائية الاحتكار والإقصاء.
فهل يمكن لأسرة الراحل علي سالم البيض، بحكم رمزيتها التاريخية، أن تقدم مثالاً يُحتذى في "إدارة الاختلاف"، لا في حسمه، بما يمهّد لخطوة أولى، بأي قدر، على طريق حوار جنوبي - جنوبي حقيقي؟
في الواقع إن نجاح مثل هذه الخطوة لن يكون حدثاً معزولاً، بل قد يشكل في اعتقادي مدخلاً ضرورياً لإعادة بناء المجال السياسي على أسس أكثر واقعية وتعدداً، بما يفتح الطريق أمام عملية سياسية شاملة لليمنيين كافة، قادرة على إنتاج حل شامل وعادل ومستدام.
بيد أن ذلك يظل في اعتقادي رهناً بقدرة الفاعلين على الانتقال من سؤال “من يمثل؟” إلى سؤال أكثر عمقاً: “كيف يمكن أن نؤسس لتمثيل يعترف بتعدديته وتنوعه دون أن يفقد قابليته للعمل؟”
وهو السؤال الذي سيحدد، في نهاية المطاف، ما إذا كانت القضية الجنوبية ستظل أسيرة ماضيها، أم قادرة على إعادة إنتاج ذاتها في أفق مختلف دون أن يقود إلى صدام مسلح من جديد.





