العراق لم يتحرر من منطق «الحفلة»؛ السلطة ما زالت غنيمة، والخوف ما زال أداة، والدولة ما زالت فكرة غير مكتملة. وبين الماضي والحاضر، يبقى السؤال معلقاً: هل المشكلة في الطاغية، أم في الشروط التي تسمح بظهوره من جديد؟ أي فقدان النخب لبوصلة شروط الدولة المسؤولة!
ليست رواية "حفلة التيس" لماريو بارغاس يوسا مجرد حكاية عن ديكتاتور كاريبي انتهت باغتياله، بل هي نموذج كاشف عن كيفية تشكّل الاستبداد، وكيفية التسلّل إلى مفاصل الدولة والمجتمع، ثم كيفية تركه فراغاً أخطر من وجوده. وعند قراءة تلك الرواية الرائعة على ضوء التجربة العراقية القائمة، قبل سقوط صدام حسين وبعده، تتبدّى مفارقة لافتة، من استبداد فرديّ مطلق إلى هشاشة دولة مفتوحة على استبدادات متعدّدة.
وفي الأسابيع الأخيرة، استدُعي القائم بالأعمال العراقي في الكويت مرتين إلى وزراة الخارجية الكويتية، وفي كلّ مرة يسلَّم مذكّرة احتجاج للحكومة العراقية بسبب اعتداء مسلّحين بالطائرات المسيرة والصواريخ من الأرض العراقية على الكويت، من دون سبب أو ذريعة! ومن دون استجابة تذكر.
في عهد صدام حسين، كان الأمر واضحاً ومحدداً. السلطة متمركزة في شخص واحد، والدولة بكل أجهزتها تدور في فلكه. الخوف كان منظماً، ومؤسسات القمع تعمل بكفاءة، والولاء يُشترى أو يُفرض بالرصاص. يشبه ذلك إلى حد بعيد صورة تروخيو في الرواية، رجل يرى نفسه الدولة، ويعتقد أن بقاءه شرط لبقاء الوطن. في هذا النموذج، تكون القسوة صريحة، والعدو معروف، والقرار مركزي، حتى وإن كان مدمراً.
حفلة أكثر تعقيداً
لكن ما بعد 2003 في العراق لم يكن خروجاً من "حفلة التيس"، بل انتقالاً إلى حفلة أكثر تعقيداً. لم يعد هناك "تروخيو" واحد في العراق، بل نسخ متعدّدة منه، تتقاسم النفوذ، تحت عناوين طائفية وسياسية، ومناطقية، وتتنازع على الدولة حتى أفرغتها من مضمونها، وألحقتها بدولة أخرى هي إيران. هنا تكمن المفارقة؛ سقط الاستبداد، لكن لم تولد الدولة، بل وُلد فراغ ملأته جماعات مسلحة وأحزاب مؤدلجة، ليس لها علاقة بمصلحة العراق أو العراقيين.
في رواية يوسا، يبيّن الكاتب أن الطغيان لا يقوم على الفرد فقط، بل على شبكة من المتواطئين. وهذا ما يتكرّر في الحالة العراقية، لكن بصورة معكوسة. في زمن صدام، كان التواطؤ لضمان البقاء داخل نظام مغلق، أما بعده، فأصبح التواطؤ وسيلة للاستحواذ على الدولة والثروة والسلطة وتقاسمها. لم يعد الخوف وحده هو الحاكم، بل دخلت معه الغنيمة، والابتزاز والعمالة.
هيكل هشّ
العنصر الأكثر خطورة في المقارنة هو تحول فكرة الدولة نفسها - في "حفلة التيس" - إلى لا دولة. فرغم بطش النظام، كانت هناك دولة متماسكة شكلياً، وسلطة مركزية. أما في العراق اليوم، فالدولة تبدو كهيكل هش، تتنازعه ولاءات متضاربة، جهوية، طائفية، عرقية ومرتهنة إلى الجوار وما يفرضه هذا الجوار، ما فتح الباب أمام النفوذ الإيراني، الذي لم يدخل فقط عبر السياسة، بل عبر الإيديولوجيا والاقتصاد، والابتزاز، وتحوّل العراق إلى ساحة مفتوحة لكل العصابات بما فيها إرسال الصواريخ إلى الجيران.
الشعارات الغيبية التي رُفعت بعد 2003 من جماعات ولائية، باسم المظلومية التاريخية، أو العدالة المؤجّلة، تحوّلت إلى أدوات سياسية لإعادة تشكيل السلطة الطائفية. وهنا نرى صدى آخر من رواية يوسا، كيف يمكن للأفكار، حين تُفصل عن الواقع، أن تصبح غطاءً للقمع.
في العراق، لم يعد القمع مركزياً، بل موزعاً، يمارَس بأشكال مختلفة، أحياناً باسم الدين، وأحياناً باسم المقاومة، وأحياناً باسم حماية الطائفة، وأحياناً باسم حماية الدولة الوصية، وفي هذه الحالة إيران. ورغم كل الاحتجاجات، ومع هشاشة الدولة العراقية وتزييف وعي الجمهور، يستمر الخطر قائماً من جار الشمال. النتيجة أن المواطن العراقي انتقل من خوف واحد إلى مخاوف متعددة.
في زمن صدام، كان يعرف مصدر التهديد. اليوم، التهديد مبعثر، غير محدد، يتغير بتغير القوى المسيطرة على الأرض. وهذا النوع من الخوف أكثر إنهاكاً، لأنه لا يمنح حتى وهم الاستقرار، كما أن اغتيال تروخيو في الرواية لم يؤدِ إلى استقرار فوريّ، بل كشف عن فراغ عميق؛ وإن سقوط صدام كشف عن هشاشة بنيوية في الدولة العراقية، كما حدث في كل الديكتاتوريات العربية؛ الفارق أن الرواية تشير إلى إمكانية إعادة بناء الدولة بعد الطاغية، بينما في العراق، ما زال الصراع على تعريف الدولة نفسها قائماً.
الأخطر في "الحفلة" العراقية أن الخارج أصبح جزءاً من الداخل. النفوذ الإيراني لم يأتِ فقط عبر الحدود، بل عبر بنية سياسية سمحت له بالتغلغل. وحين تختلط السيادة بالشعارات العابرة للحدود، تفقد الدولة قدرتها على تعريف مصالحها الوطنية. وهنا تتقاطع الرواية مع الواقع في نقطة جوهرية. الاستبداد لا يسقط مرة واحدة، بل يتغير شكله. قد يختفي الطاغية، لكن أرثه وثقافته يتبنّاها الوارثون، وتعيد إنتاج نفسها في صور جديدة.
في العراق اليوم السلطة ما زالت غنيمة، والخوف ما زال أداة، والدولة ما زالت فكرة غير مكتملة. وبين الماضي والحاضر، يبقى السؤال معلقاً: هل المشكلة في الطاغية، أم في الشروط التي تسمح بظهوره من جديد؟ أي فقدان النخب لبوصلة شروط الدولة المسؤولة





