الأربعاء، 8 أبريل 2026 | الموافق ٢٠ شوال ١٤٤٧ هـ
الرأي

الحرب إذ تفكّك منطقتنا والعالم وتعيد تركيبهما

حين تكون الهزائم ولا تكون

في واحد من وجوهها تقوم لعبة البازل على تفكيك الأشياء أو الأنظمة ثمّ إعادة تركيبها. والعالم اليوم، منظوراً إليه من مسرح الحرب ومن ضفافه، يبدو هكذا.

ففضلاً عن التحوّلات الاقتصاديّة التي قد تستجرّها الحرب، في أوروبا كما في أميركا والشرق الأوسط، خصوصاً ما ترتّبه أسعار الطاقة، فضلاً عن أكلاف الحرب نفسها، وإلى جانب دور صينيّ لا يزال فرز غامضه عن واضحه يشغل عقولاً كثيرة، هناك تيّارات عريضة تستعرض نفسها في «الغرب» ذاته. فحلف الناتو الذي رافقنا منذ نهاية الحرب العالميّة الثانية، يعيش تصدّعاً غير مسبوق، سيّما بعد المساجلة الترمبيّة ضدّ أوروبا عن مضيق هرمز والمساهمة في فتحه، وهو ما تزيده تأجيجاً شخصيّة ترمب ولغته.

وهو انشطار لا تُقاس به حرب العراق في 2003، خصوصاً وأن بريطانيا وبلدان أوروبا الوسطى كانت في صفّ أميركا يومذاك، ما أعطى الأخيرة غطاء أوروبيّاً لحربها.

ويتفرّع العنوان الكبير هذا إلى عناوين يتّصل بعضها بصورة أوروبا المقبلة، سيّما وأنّ حرب أوكرانيا لا تزال تحتفظ بطاقة استنزاف هائلة، وإن حجبتها راهناً حرب إيران. ويتّصل بعض العناوين بالقوى السياسيّة والفكريّة على جانبي الأطلسيّ. فاليمين الأوروبيّ الأقصى، الذي سلّم زعامته لترمب، يعيد النظر بهذا التسليم، فيما اليمين الأميركيّ الأقصى ينقسم حول التسليم ذاته تاركاً للديمقراطيّين الأميركيّين أن يغازلوا ميولاً سبق أن عُدّت راديكاليّة في القاموس السياسيّ الأميركيّ. وإذ يعلن وزير الحرب بيت هيغسيث أنّه وجيشه يقاتلون من أجل المسيح، يردّ البابا لاوون الرابع عشر، بدون أن يسمّي الوزير الأميركيّ، بأنّ السطوة العسكريّة «غريبة تماماً عن نهج المسيح». أمّا القائلون إنّ أميركا «جُرّت إلى حرب إسرائيل» فينطلق بعضهم، لا كلّهم، من مقدّمات لاساميّة. وفي وسع خطاب كهذا، إذا أتيح له الشيوع والتوسّع، أن يعيد فتح صفحة بشعة ظُنّ أنّها طويت في الغربين الأوروبيّ والأميركيّ.

ولا يبخل العالم العربيّ بالجديد والمختلف. فلو تخيّلنا حرباً أميركيّة وإسرائيليّة على إيران، أو على أيّ بلد إسلاميّ أو «عالمثالثيّ»، في الحقبة الممتدّة بين الخمسينات والسبعينات، لكان من السهل توقّع عناوين صارخة وإجماعيّة من نوع «الجماهير العربيّة تستنكر وتشجب...». أمّا اليوم، ولأسباب عدّة، فتلك العناوين فقدت معناها، وباتت «الجماهير العربيّة» اسماً لكائن افتراضيّ.

والحال أنّ العالم العربيّ يقدّم نماذج في التعامل مع الحرب تشكّلها عناصر عدّة بينها السياسيّ والوطنيّ، وبينها المذهبيّ المؤدلج. فهناك مثلاً النموذج الخليجيّ الذي حكمه مبدأ التوسّط لحلّ النزاع وتجنّب الحرب واعتبار أنّ تفاديها أقلّ كلفة من شنّها. ورغم تعرّض الخليج لاعتداءات إيرانيّة متمادية، يبقى الثابت ما يصلّب الدولة والوطن، وما يضع مصالحهما أوّلاً. وتشارك أنظمةٌ كالمصريّ والأردنيّ الأنظمةَ الخليجيّة انهجاسها بالإبحار إلى شاطىء أمان وسط العواصف المجنونة التي تهدّد علامات الاستقرار السياسيّ والاقتصاديّ.

وهناك النموذج الذي يقدّمه العراق ولبنان من خلال ميليشياتهما المسلّحة. فهنا لا تُعطى الأولويّة للدول والأوطان والمصالح الذاتيّة، بل للولاءات العابرة للحدود، وما يُظنّ أنّه مصالح جماعاتها. لكنْ لئن شارك «حزب الله» في الحرب، مقيماً غرفة عمليّات مشتركة مع إيران، فالكثيرون ساورتهم أسئلة ليست قليلة الدلالة. فلماذا مثلاً كانت الطاقة الحربيّة التي استخدمها الحزب في حرب «إسناد غزّة» مجرّد جزء صغير من الطاقة التي استخدمها في حرب إسناد إيران، ومتى كانت آخر مرّة نسمع فيها، منذ اندلاع الحرب الاخيرة، بغزّة أو بفلسطين؟

والشيء نفسه يمكن قوله في «الحشد الشعبيّ» العراقيّ الذي يقيم، تيمّناً بشقيقه اللبنانيّ الأكبر، دولة موازية للدولة العراقيّة.

وهنا تقول المقارنة الكثير. ففي حرب 2023 شاركت بعض فصائل الحشد بتوجيه بعض الضربات المباشرة، لكنّها ما لبثت أن ارتدعت وأوقفتها في مطالع 2024 تجنّباً منها لـ«عواقب وخيمة» ولـ«إشعال حرب شاملة في العراق». بيد أنّها، في الحرب الراهنة، وتحت مظلّة «المقاومة الإسلاميّة في العراق»، شنّت هجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ على قواعد أميركيّة بوصفها ردّاً على ضربات أميركيّة إسرائيليّة على إيران. كما وجّه الحشد قوافل إلى إيران وُصفت بأنّ مهمّاتها «إنسانيّة»، وسط تقارير متزايدة عن مشاركة الحشديّين العراقيّين في الدفاع عن إيران.

فـ«الجماهير»، هذه المرّة، نازعة للانفصال عن الأوطان ولإحلال التنازع الأهليّ بين جماعاتها. وكما لبنان، كذلك العراق، إذ الكرد العراقيّون، وهم مَن يُفترض أنّهم يشاركون الحشد مواطنيّة الوطن نفسه، يعانون ضربات الحرب التي يشنّها الحشد بحماسة. فمنطقتهم باتت تُعدّ ساحة من ساحات النزاع رغم أنّ قادة إقليم كردستان أكّدوا مراراً أنّهم لا يرغبون فيه، وأنّ ما يريدونه استقرار منطقتهم وحيادها. وهم شدّدوا، مثلهم مثل القادة الخليجيّين، على ألاّ تُستخدم أرضهم قاعدةً لشنّ هجمات على إيران.

وهذه التحوّلات في عمومها ستكون بعيدة التأثير على المنطقة والعالم، وإن كانت نهاية الحرب والشكل الذي يسم تلك النهاية، حاسمين في بلورة ذلك.

أمّا المشرق العربيّ، خصوصاً لبنان والعراق، فيُرجَّح أن يحتفظ لنفسه بالإصابات البنيويّة الأكبر والأخطر.