الخميس، 9 أبريل 2026 | الموافق ٢٠ شوال ١٤٤٧ هـ
الرأي

‏كيف يهدد الاتفاق الأميركي - الإيراني قانون المضائق

الاستلاب المتراكب والذل الطوعي

أعمل حالياً على إعداد مقالٍ يتناول دور التعبئة المفرطة في تآكل قداسة المشروع السياسي، انطلاقاً من اعتبار النزعة الانفصالية في اليمن نموذجاً دالاً على ذلك. وهي مقاربة سوسيولوجية لكيان المجلس الانتقالي وموقع عيدروس الزبيدي فيه، سأعرضها لاحقاً في سلسلةٍ من الحلقات. غير أنني أود هنا تقديم مداخلةٍ موجزة حول ما يُتداول بشأن اتفاق أمريكي–إيراني، مع التركيز على زاوية القانون الدولي، ولا سيما موقع المضائق في هذا السياق.

يبدو أن هذا الاتفاق المرحلي بين أمريكا وإيران، بتيسيرٍ من باكستان—دون ذكر إسرائيل ولا دول الخليج العربية—قد صيغ بطريقةٍ تمنح كل طرفٍ مظهراً من مظاهر الانتصار، بما يتيح له تسويقه داخلياً واكتساب قدرٍ من الشرعية لتنفيذه. إلا أنه، في جوهره، اتفاقٌ هش، وشكلٌ من أشكال ترحيل المشكلة؛ إذ لا يرغب دونالد ترامب في التورط في حرب استنزافٍ طويلة، ويفضل تحقيق مكاسب سريعة ومحدودة، دون تعريض جبهته الداخلية لمزيدٍ من الضغوط.

وفي المقابل، يسعى النظام الإيراني إلى ترسيخ استقراره الداخلي، مع الحرص على عدم الظهور بمظهر الضعف أمام الضغوط الخارجية، بما يضمن استمرار قدرته على المناورة وتعزيز أوراقه. وها قد بدأ المرشد الجديد منقذاً حكيماً للأمة الإيرانية من الهلاك الوشيك.

إلى الآن، سيُنظر إلى ترامب على أنه الوحيد الذي خاض حرباً على إيران من بين سابقيه. وستنتصر إيران بصمود النظام، بينما يحتفل نتنياهو بتقويضه قدرات النظام الإيراني وأخذ فسحة أمانٍ استراتيجي تمتد لسنوات.

إلا أن العالم لا يريد لهذه الحرب أن تتمادى.

وفي هذا الإطار، يتجه تركيز الطرفين المتصارعين المتفاوضين، أي إيران وأمريكا، نحو مضيق هرمز، باعتباره نقطة ارتكازٍ استراتيجية وحلقة فاصلة في ميزان التفاعلات، بعد أن تقلصت الأهداف فيه، طالما أقدمت إيران على تنفيذ تهديداتها لضبط العبور فيه.

وقد أشار بيان المملكة العربية السعودية، المرحِّب بالاتفاق، إلى ضرورة الحفاظ على أمن الممرات البحرية وإبقاء العبور في المضيق آمنًا دون قيود، وهو ما يُفهم منه ضمناً أن الاتفاق لا يعالج هذه المسألة معالجةً كافية.

ويبدو أن هذا الاتفاق، بالصيغة التي تروج لها إيران، أو على الأقل بالطريقة التي طرحت بموجبها شروطها، سيقود إلى تغييرٍ جوهري في اللوائح الضابطة للعبور فيه. فما هي هذه اللوائح؟

الإطار القانوني للمضائق الدولية

يُعد مضيق هرمز من المضائق المستخدمة للملاحة الدولية، وبالتالي يخضع لنظام “العبور العابر” (Transit Passage) المنصوص عليه في الجزء الثالث من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982.

وبهذا الصدد نجد مواداً من هذا القانون، من بينها:
المادة 37: تؤكد تطبيق نظام العبور العابر على المضائق المستخدمة للملاحة الدولية.
المادة 38 (1): تنص على أن “جميع السفن والطائرات تتمتع بحق العبور العابر، الذي لا يجوز تعطيله”.
المادة 44: تلزم الدول المشاطئة بعدم عرقلة العبور العابر، وعدم تعليق هذا الحق تحت أي ظرف.

ومفهوم العبور العابر يعني المرور السريع الاعتيادي للقطع البحرية، مدنيةً كانت أو ترفيهيةً أو تجاريةً أو عسكريةً، دون توقفٍ أو ممارسة نشاطٍ مشبوه، وبالطبع دون الإضرار بالبيئة أو رمي نفاياتٍ وما إلى ذلك.

وبذلك، فإن النظام القانوني للمضائق-بخلاف المرور البريء في البحر الإقليمي-يمنح حريةً أوسع للملاحة، ولا يجيز للدول الساحلية تعطيل هذا الحق أو إخضاعه لاعتباراتٍ سيادية ضيقة.

وكون هرمز مضيق عبور عابر فإن مبدأ العبور البريء المنصوص بالمادتين 17 و19 (من الجزء الثاني): تقر لا يُطبق على مضيق هرمز.

لذا، لا تملك الدول المشاطئة (إيران وسلطنة عُمان) حق إغلاق المضيق أو تقييد العبور. كما لا يجوز فرض قيودٍ تعسفية على الملاحة، إلا في حدودٍ ضيقة تتعلق بالسلامة أو البيئة (المواد 41 و42 بشأن تنظيم المرور دون تعطيله).

أي محاولة لتعطيل الملاحة قد تُعد انتهاكاً لقاعدةٍ دوليةٍ آمرة ( jus cogens) تتعلق بحرية الملاحة. ومع ذلك، فإن إيران -رغم عدم تصديقها الكامل على اتفاقية قانون البحار-تظل مُلزمةً بكثيرٍ من هذه القواعد باعتبارها جزءً من العرف الدولي.

‏2
أيّاً كانت ادعاءات الانتصار في هذه الحرب، فإن الفشل الحقيقي- من زاوية القانون الدولي-يكمن في عدم القدرة على تعبئة دعمٍ دولي كافٍ لفرض قواعد القانون الدولي المتعلقة بضبط العبور في المضيق، وكذلك في الإخفاق في انتزاع أكثر من مشروع قرارٍ كانت قد تقدمت به دول عربية.

وهذا التراخي، في ظل حربٍ ملتبسة لم تحظَ بإجماعٍ دولي، وأسهمت في خلق انقسامٍ حاد على المستوى العالمي، يُعدّ الممهِّد الحقيقي للتملص من الامتثال لقواعد القانون الدولي، أو حتى التراجع عن الدفاع عنها.

صحيح أننا لا نعلم الصيغة الحقيقية للاتفاق الذي أُعلن عنه، إنما لا يسعنا إلا الانطلاق من روايتين تمثلان نقاط اشتراطات كل طرف. ويبدو أن إيران تريد أن تفرض حقوقاً مادية عبر المضيق وتحقيق مكاسب مادية التعويض عن الدمار، وهذا التنازل قد يقدمه نظامٌ أمريكي غير معنيٍّ بتنفيذ القانون الدولي والحفاظ على ديمومته.

فما هو الإشكال القانوني في سياق الاتفاق إذاً؟

ينبع الإشكال القانون من كون تفاهمات سياسية تقوم على قاعدة ترتيب القوة تؤول إلى تعزيز نفوذ إيران في إدارة حركة العبور، أو تحقيق مكاسب مالية/سيادية مرتبطة بالمضيق على حساب قاعدة قانونية دولية آمرة.
بالمعنى المحلي البسيط: انتزاع أوامر لو لائحة قانونية مخالفة للدستور.

فإن ذلك قد يؤدي إلى:
اولاً: إعادة تفسيرٍ عملي لنظام العبور العابر خارج إطاره القانوني الأصلي،
ثانياً: إضعاف مبدأ عدم جواز تعطيل الملاحة،
خلق سابقةٍ قد تُستَخدم في مضائق أخرى (مثل باب المندب).

تستند اتفاقية قانون البحار إلى مزيجٍ من الأعراف الدولية المتراكمة والإرادة التعاقدية للدول، لكن فعالية هذه الاتفاقيات كانت مرتبطةً تاريخياً بوجود توازنٍ دولي ضامن، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية. وفي هذا السياق، لعبت الولايات المتحدة ومعها المنظومة الغربية برمتها دوراً مركزياً في حماية حرية الملاحة، رغم أن أمريكا نفسها لم تُصادق رسمياً على الاتفاقية، لكنها التزمت عملياً بجزءٍ كبير من أحكامها.

غير أن السنوات الأخيرة شهدت انسحاباً أمريكياً من عددٍ من الاتفاقيات الدولية، وتراجعاً في الالتزام بالمؤسسات متعددة الأطراف، وكل هذا في ظل تصاعد مقارباتٍ انتقائية منذ عقود في تطبيق القانون الدولي.

في ظل هذا السياق، يبرز تساؤلٌ جوهري:
هل يمكن أن تمثل التحركات الإيرانية—إذا ما تعززت باتفاقاتٍ سياسية—مدخلاً لإعادة تشكيل قواعد قانون المضائق، عبر فرض واقعٍ عملي يُضعف مبدأ “العبور العابر”، ويحوّل المضائق من ممراتٍ دولية مفتوحة إلى أدوات نفوذٍ سيادي؟

وكيف أن ترامب قد يُضعف القدرة الكامنة في القانون الدولي من خلال السماح بإخلالها عبر اتفاقاتٍ سياسية ثنائية خارج الأطر القانونية؟

ثم كيف سيكون العالم بعد هذا “الاتفاق الاستثناء”؟