الخميس، 16 أبريل 2026 | الموافق ٢٨ شوال ١٤٤٧ هـ
الرأي

بحر دار كما رأيتها (1)

بحر دار كما رأيتها (1)

ويمكن ترجمته للعربية (في إثيوبيا مع بغل) In Ethiopia with a mule في كتابها بالإنجليزية ,دونت المغامرة والكاتبة الايرلنديه ديرفلا ميرفي حكاياتها ,وهي تقضي أيامها وحيدة في مملكة اكسوم برفقة" بغل أسمته جوك" حيث جابت البلاد قاطعة مسافة تقارب 1600 كم ,والعجيب في الأمر إن صديقها البغل كانت مهمته الوحيدة حمل امتعتها فقط, بينما اعتمدت ميرفي على قدميها طوال هذه الرحله .

لقد ارادت أن تعيش التجربة بشكل كامل ،وأن تحافظ على علاقة احترام بينها وبين المحظوظ جوك كما اوضحت في كتابها !

"وفي رحلتي الاخيرة إلى بلاد الحبشه استعدت ذكرياتي مع "مغامرات ميرفي "لذا عقدت العزم على السفر إلى مدينة بحر دار مدينة الهة الامهرة وكيوبيد النيل ,فمنها ينبع نهر النيل الازرق وفيها بحيرة تانا . الفاتنة التي تزين صدر الهضبة العاليه. البحيرة الاعظم في إثيوبيا, قررت السفر وحيدا على متن طائرة روسية قديمة من نوع داش وليس برفقة بغل كما فعلت مورفي !"

وفي ليلة من ليالي تموز الممطرة غادرت الفندق الواقع في منطقة بوليه الرابعة فجرا ،مستقلاً سيارة خاصة، باتجاه مطار أديس ابابا الدولي، و في الطريق المؤدي إلى المطار الذي بدا طويلاً رغم قصره كانت السماء تمطر بخشوع ، الشوارع مبللة بدموع السماء ، العابرون والعابرات الهائمون على وجوههم يملأون جوانب الطريق.

حركة المطار في الصباح الباكر مذهله ظكان يعج بالركاب من جنسيات متعدده ، يتحركون بخفة رغم النعاس الذي يبدو على كثير منهم ، ضوضاء النداءات للركاب للاتجاه الى بوابات الصعود ، مطاعم ومقاهي المطار مليئة بالمرتادين ،أانه فعلا المركز الرئيس للسفر في افريقيا !

الى مدينة بحر دار وحدها تشغل الاثيوبيه 15 رحلة في اليوم من مطار اديس فقط ،وقد يزداد العدد في ذروة الموسم السياحي !

وبينما كانت كل العيون تتجه الى بطاقات وبوابات الصعود كنت غارقا في أسئلة بلا أجوبة : متى يا ترى سأرى مطارات بلادي تنبض بالحياة ؟

متى ستطرب مسامعنا أصوات الطائرات المدنية ،وهي تحلق فوق الأجواء اليمنيه حاملة معها السياح من كل أرجاء العالم ؟!

هل يا ترى سيطول بنا العمر لنرى العالم يزور صنعاء القديمة، وقلعة القاهرة ،ومعبد الشمس وصهاريج عدن وتريم الغناء ؟!

وبينما كنت غارقاً في بحر من الأحلام والأماني سمعت صوت النداء الأخير، معلناً قرب انطلاق رحلتي الى بحر دار . ركضت باتجاه البوابه مطاردا موعد الإقلاع.

كانت الطائرة روسية الصنع من نوع داش ، قديمة وبمحركات تصدر ضجيجاً وهديراً عالياً،هذا النوع من الطائرات لا يرتفع كثيراً عن الأرض ولا يغيب في السحب مما أتاح لي مشاهدة جمال الطبيعه  الخضرة التي تملأ المكان ،جداول المياة ، الحياة كل الحياة التي تدب على الأرض .

كان عدد الركاب في الطائرة لا يتجاوز أربعون راكباً من جنسيات مختلفه ،وأعتقد انني كنت العربي الوحيد بينهم، وكان جلهم سياحاً يقصدون زيارة المدينة الاجمل في اثيوبيا بل في افريقيا كلها ،ظل وجهي ملتصقاً بالنافذة أراقب كل تفاصيل الحياة على الأرض مذهولا بهذا الجمال البديع ،حتى سمعت صوت انجليزي يطلب مشاركتي النافذه ، كانت بريطانية كبيرة في السن جارتي في المقعد تهوى السفر وزيارة العالم ، لقد زارت معظمه وتخطط ان ترى ما تبقى منه!
سألتني ما هو برنامجي السياحي ؟

وأين سأسكن في بحر دار ؟!

وفي الحقيقة كنت بدون برنامج لم احمل خريطة، بل لم أحمل حتى حقيبة سوى محفظة صغيرة ،أحفظ فيها جواز السفر ومبلغ مالي يغطي تكاليف الرحلة ، تركت المجال للصدفة وأردت للروح ان تذهب الى هناك ،على طبيعتها بلا قيود الخطط ولا رتابة التوقيت. كم اكره كثرة التخطيط !

بدأت الطائرة بالأنحناء وكأنها تقوم بتحية بحر دار ، لقد بدأنا بالاقتراب من الأرض وبدأت الجنة الاثيوبيه تتضح أكثر؛ مزارع متناثرة رسمتها يد فنان مبدع ،بساط أخضر ممتد إلى السماء.
الحبشة ليست بلدا حبيسا كما درسنا في الجغرافيا ،فلقد رأيت بحرا لا نهاية له . إنها تانا ،لامست الطائرة أرض المطار ولامست قلوبنا النسمات الدافئة القادمة من الهضاب المقابلة.

مطار المدينة متواضع يشبه المدينة نفسها، لكنه يفي بالغرض من استقبال السياح على مدار اليوم ، لا ضجيج ولا صخب المطارات الكبيرة ، في صالة القادمين والمغادرين تلتقي نظرات المسافرين ببعضهم ،والذين تشعر إنك تعرفهم منذ زمن . الألفة تطغى على المكان .

غادرت صالة المطار إلى الساحة المجاورة ، اندفع رفاقي في الرحله وكان لكل منهم صديق ينتظره أو مرشد سياحي يعانقه ،أو لافتة مرفوعة مكتوب عليها إسمه، الكل يمضي إلا أنا فقد وقفت في المنتصف كغريب لا أدري أين اذهب في مدينة لا تنتظر أحدا !

تأملت في وجوه سائقي السيارات ووقع اختياري على أحدهم،لا شيء يميزه عن الاخرين سوى إنه يبدو أقل انشغالا منهم ،شديد السواد وعلى وجهه ترتسم ابتسامة مصطنعة لا توحي بشيء.

قلت له : بحيرة تانا . التقطها بسرعه . تبدو لغة عالمية يفهمها الجميع وانطلقنا !

حاول السائق فتح مواضيع كثيرة وبلغة انجليزية أفهمها بصعوبه  لكنني كنت في عالم آخر ،منغمس بكل التفاصيل كنت ابحث عن سر المدينه لا عن حديث !

لم تستقبلني بحر دار بالسيارات الحديثة ولا المباني الشاهقه بل برائحة المانجو الناضجة ،ونفحات القهوة المحمصة التي تملأ أرجاء المدينه.

وللأخيرة هذه حكاية وأيما حكايه ففي كل زاوية من زوايا المدينة تجلس امرأة وأمامها حبات القهوة وأواني صغيرة من الفخار ،وبطريقة تقليديه يتم تحميصها على موقد من الفحم ومن ثم طحنها بالمدق ثم وضعها في الجمنه ( بفتح الجيم ) وتقديمها ساخنه .

يطلق على هذه الطقوس( بنه تيتو أي شرب القهوة ) رائحة البخور ايضا جزء من المشهد إنها رائحة الأصالة وعبق التاريخ !