الأحد، 19 أبريل 2026 | الموافق ٢ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ
الرأي

الشهيد عدنان الحمادي الأصدق والأكثر حضوراً

تشريح لبنية ذهنية مغلقة

ذات يوم ، كانت تعز تغرق في صمت كثيف. الكهنوت يبتلع الشوارع لقمة لقمة. الرّتب العسكرية تتساقط . الخيانة زئبق يسري في مفاصل المعسكرات . القادة يخلعون بزّاتهم ، ينحنون للعاصفة ، يهربون ، يساومون، ينكمشون داخل خوفهم .
وحده وقف. عدنان الحمادي. وحده قال : لا. رفض أن يُسلِّم اللواء الخامس والثلاثين ، رفض أن يُبدِّل شرفه بسلامة رخيصة ،لم يرتجف ، و لم يلتفت خلفه، لم يبحث عن مخرج آمن ، أطلق الطلقة الأولى ، الرصاصة التي شقّت صدر الصمت، الرصاصة التي قالت ما عجزت عنه الخُطب .

دمه لم يجف. ما زال يمشي في طرقات الحجرية. في أشجارها. في ترابها. كل حجرٍ هناك يشهد. كل شجرة تروي الحكاية. حكاية ضوء نقي. أكلته ذئاب الظلام

من المطار القديم بدأت الحكاية . دائرة نار تضيق. دبابات المليشيا تُطبق، الرصاص ينهال كالمطر الأسود ،الحصار يشتد. لكنه لم ينكسر. صمد كطود حميري . صلب. صامت. شرس . قاتل بشراسة . ثم، حين استدار الموت أكثر ، تراجع. لا هزيمة. لكنه حساب. تراجع ليبني ، ليعيد تشكيل القوة من العدم. في جبال الحجرية ، غرس البذرة الأولى. بذرة المقاومة .

هو الأول. هو الأصدق. هو الأكثر حضوراً . حرر الأرض. طرد الكهنوت. أعاد للدولة ظلها المفقود. سكب دمه. وعرق رجاله. لتقف المدينة على قدميها من جديد .

لم ينتظر دعماً. لم يطرق أبواباً ، لم يطلب إذناً من أحد ،قاتل بما يملك. بما تيسّر ، بما تيسّر من رجال ومن جبال ، جمع الرجال حوله ،نفخ في صدورهم كبرياء الجمهورية. أعاد تعريف القتال ، لا كواجب، لكنه ككرامة ،حرر الأرض شبراً شبراً، من المسراخ إلى المعافر ، من جبل حبشي إلى الصلو.

كل تبة تعرف خطاه. كل وادٍ يحتفظ بصدى صوته ،سبعون بالمئة من جغرافيا تعز المحررة، تُروى بعرقه ، بخطواته الثقيلة، بحذائه الملطخ بغبار المعارك .

كان ينام في المتارس. على تراب بارد. بلا وسادة. بلا استعراض. يتقاسم كسرة الخبز اليابسة مع جنوده. لا يأكل قبلهم. لا يختبئ خلفهم،  يمسح الدم عن جباه الجرحى بيده،  يربّت على أكتافهم كأبٍ ،يعرف أن أبناءه يمشون إلى الموت ،لم يكن قائداً على الورق، كان خندقاً يتحرك، كان متراس .

يعرفه الجنود أباً قبل أن يعرفوه ضابطاً. يتقدمهم في خطوط النار. لا يشير من الخلف، يقود من الأمام ،يعلّمهم كيف يكون نبل الفرسان في زمن المرتزقة ،كيف تُحمل البندقية بلا حقد .؟

اغتالوه معنوياً . في كل منبر. في كل منشور. في كل خطاب رخيص. أرادوا كسره. أرادوا أن ينحني. أن يردّ. أن ينزلق إلى مستنقعهم. لكنه لم يفعل

وكيف تُطلق الرصاصة بلا خيانة. يواجه الحوثي بعقيدة . يكسر زحوفهم تبةً تبة. يزرع الانتصار في أرض قاحلة. كانت تعز تتنفس من فوهة بندقيته. تتنفس بصوته. تتنفس بإصراره .؟

هو الأول. هو الأصدق. هو الأكثر حضوراً . حرر الأرض. طرد الكهنوت. أعاد للدولة ظلها المفقود. سكب دمه. وعرق رجاله. لتقف المدينة على قدميها من جديد .

ثم جاءوا. خفافيش الغنائم . لصوص اللحظة. يتسللون حين تهدأ البنادق. يقطفون ما زرعه غيرهم. حزب الإصلاح دخل من الباب الخلفي. تمدد في الجغرافيا التي طهّرها عدنان. لم يكتفوا بالاستحواذ. أرادوا أكثر. أرادوا المعنى. أرادوا أن يُعيدوا تعريف البطل .

عدنان كان عقدتهم. مرآتهم القاسية. كان وطنياً صافياً. بلا ولاءٍ مزدوج. بلا حساباتٍ خارجية. وهم تنظيم مشدود إلى مكاتب بعيدة. إلى خرائط لا تشبه هذه الأرض . كان جيشاً نظامياً نظيفاً. وهم مليشيا أيديولوجية. هو يعمل لليمن. وهم يعملون لفكرة. لفكرة ضيقة .

كان ينام في المتارس. على تراب بارد. بلا وسادة. بلا استعراض. يتقاسم كسرة الخبز اليابسة مع جنوده. لا يأكل قبلهم. لا يختبئ خلفهم،

فتحوا عليه أبواب الجحيم. بدأ الضخ. بدأ التشويه. مطابخهم تنفث سمومها ليلاً ونهاراً. شيطنوه. خوّنوه. أطلقوا عليه كلابهم الإعلامية. قالوا: عميل. قالوا : تابع لـ الإمارات . لفّقوا. زوّروا. دبّلجوا التهم كما تُدبلج الأفلام الرديئة . نسجوا حوله شبكة أكاذيب. حول رجل كان يفترش التراب ليحميهم .

اغتالوه معنوياً . في كل منبر. في كل منشور. في كل خطاب رخيص. أرادوا كسره. أرادوا أن ينحني. أن يردّ. أن ينزلق إلى مستنقعهم. لكنه لم يفعل . بقي صامتاً. صلباً. يردّ بالفعل. بالميدان. بالمزيد من الثبات .

ضيقوا عليه. قطعوا الميزانية. حاصروا جنوده في لقمة عيشهم . جعلوا الجبهة تقاتل بنصف نفس . لكنه لم يتراجع. لم يبع. لم يساوم. ظل واقفاً. كأن ما يحدث حوله ضجيج بعيد. كأن الحقيقة الوحيدة هي ما أمامه : عدو يجب أن يُكسر. وأرض يجب أن تبقى .

ثم قرروا النهاية ، الرصاصة التي لا تُسمع في الجبهة ،بل تُطلق في الظل ، في ديسمبر الحزين، سقط الجبل. اغتالوا عدنان الحمادي . ليس في مواجهة. ليس في معركة، بل غدراً ،من الخلف. من داخل البيت .

عدنان كان عقدتهم. مرآتهم القاسية. كان وطنياً صافياً. بلا ولاءٍ مزدوج. بلا حساباتٍ خارجية. وهم تنظيم مشدود إلى مكاتب بعيدة. إلى خرائط لا تشبه هذه الأرض

لم يقتله الحوثي . لم تسقطه الدبابة. قتله رفاق الخندق الكاذب ،قتلوه لأن مساحته كانت الوطن ، ومساحتهم كانت الحزب، قتلوه لأن حضوره كان أوسع من قدرتهم على الاحتمال .

ظنوا أن الحكاية انتهت، أن الرصاص يطوي السيرة، أن الغدر يمحو الأثر. لكنهم أخطأوا ،عدنان لم يمت. تحوّل، صار معياراً ،صار اسماً يُقاس به الرجال. صار أيقونة للرجولة في زمن يُباع فيه كل شيء .

أما هم، فبقوا. لكن بلا معنى، بلا ظل، عالقين في مزبلة التاريخ ، يطاردهم الاسم الذي حاولوا دفنه ،يطاردهم صدى الرصاصة الأولى ، يطاردهم وجه الرجل الذي لم ينحنِ .

دمه لم يجف. ما زال يمشي في طرقات الحجرية. في أشجارها. في ترابها. كل حجرٍ هناك يشهد. كل شجرة تروي الحكاية. حكاية ضوء نقي. أكلته ذئاب الظلام. لكنه لم ينطفئ . بقي. كفكرة. كدين في رقابهم .

هكذا تبدأ الحكايات الحقيقية . وهكذا لا تنتهي .