الأحد، 19 أبريل 2026 | الموافق ٢ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ
الرأي

الجنوب بين وهم الإقصاء وضرورة التوافق

الحسم كشرط لإعادة تأسيس الحياة السياسية في اليمن

أتصور اننا في تأمل ما شهدته حضرموت وعدن ومحافظات أخرى خلال الفترة الماضية، ستتبدى لنا - من جديد - ملامح نزوع مقلق لدى بعض الساسة في جنوب اليمن نحو خطاب مغلق، إقصائي، عنيف، لا شك يضيق بالتعدد بل ويخاصم التنوع على نحو نافر، وكأن السياسة لديه تُختزل في صوت واحد لا يقبل الشراكة.

بيد أن هذا المسار، في جوهره، لا يعكس قوة في تقديري بقدر ما يكشف عن هشاشة كامنة؛ إذ ان الخطاب الذي يخشى الاختلاف هو خطاب لم ينجح بعد في تأسيس يقيناته على أرض صلبة، بل يستمد تماسكه من نفي الآخر "لا من قدرته على استيعابه".

ولذلك عند تفكيك الطروحات التي يروج لها هذا الاتجاه، يظهر خلل بنيوي في فهم السياسة ذاتها، لا باعتبارها إدارة ممكنات، بل كتصورات رغبوية منفصلة عن شروط الواقع.

ففكرة إقامة علاقات ندية بين مكونات سياسية ودول ذات سيادة لا تعكس طموحاً مشروعاً بقدر ما تكشف على نحو فاضح عن غياب إدراك لطبيعة النظام الدولي، حيث لا تُبنى العلاقات على التمنيات، بل على الاعتراف المتبادل بين كيانات سيادية مكتملة الشروط.

وعليه؛ فإن الخلل هنا ليس في الجرأة على الطرح، بل في القطيعة مع منطق السياسة كما هو، لا كما يُتخيل. وفي السياق ذاته، فإن تصوير المملكة العربية السعودية كطرف يستهدف مكوناً بعينه لا يستند إلى قراءة متماسكة للوقائع، بل إلى اجتزاء يختزل المشهد في زوايا ضيقة.

فخلال السنوات الماضية، كان الموقف السعودي، في قيادته للتحالف العربي الداعم للشرعية اليمنية من أجل استعادة الدولة ممن انقلب عليها بقوة السلاح، واضحاً في دعمه لمسار سياسي شامل، يقوم على الحوار اليمني – اليمني بوصفه المدخل الوحيد لحل مستدام.

وهو موقف، في عمقه، يعكس فهماً لتوازنات معقدة، لا يمكن اختزالها في سرديات صراع أحادية أو تأويلات انتقائية.
انطلاقاً من ذلك، تبرز الدعوة إلى عقد مؤتمر حوار جنوبي - جنوبي جامع في الرياض بوصفها لحظة تصحيح ضرورية، لا كإجراء تقني، بل كفعل يعيد الاعتبار لفكرة "التوافق" في مواجهة منطق "الإقصاء".

كما أن الرعاية السعودية لهذا المسار تمنحه بعداً يتجاوز الإطار المحلي، عبر توفير ضمانات سياسية وتوازنات إقليمية تعزز فرص نجاحه.

فالدولة التي تدرك أن الاستقرار لا يُفرض، بل يُبنى، إنما تفتح المجال أمام حوار يعيد للقضية الجنوبية معناها الجامع، ويصونها من الانزلاق إلى أداة في صراعات النفوذ، وبذلك يتحول الدور السعودي إلى عنصر ضمان حقيقي لمسار حواري متزن، سواء في الجنوب أو في اليمن ككل.