ما جرى في اليمن منذ 2014 لا يمكن فهمه فقط كسلسلة أحداث عسكرية، بل كسردية سياسية متكاملة أعادت تشكيل الوعي، وغيرت طبيعة الدولة، وأزاحت الفاعلين المدنيين لصالح قوى مسلحة. ولفهم كيف انتقل اليمن من تجربة تعددية—رغم هشاشتها—إلى واقع تتحكم فيه الجماعات المسلحة، لا بد من تفكيك هذه السرديات التي رافقت التدخلات الإقليمية والدولية..
أولا: سردية “الحسم السريع” وإعادة الشرعية
عندما أعلن عن تدخل التحالف العربي في اليمن عام 2015، قدم بوصفه عملية محدودة تهدف إلى إعادة عبد ربه منصور هادي إلى السلطة، وإنهاء سيطرة جماعة الحوثي، لكن مع مرور الوقت، تآكلت فكرة الحسم السريع، وتحولت الحرب إلى حالة استنزاف طويلة، ما أضعف الشرعية نفسها بدلًا من تقويتها، وجعلها تعتمد كليا على الخارج..
ثانيا: سردية مكافحة النفوذ الإيراني
تم الترويج للحرب باعتبارها جزءا من صراع إقليمي أوسع مع إيران. هذه السردية ساهمت في تدويل الصراع، وأعطت مبررا لاستمراره، لكنها في الوقت ذاته همشت البعد الوطني الداخلي، وحولت اليمن إلى ساحة صراع بالوكالة..
ثالثا: تفكيك الدولة تحت شعار استعادتها
المفارقة الكبرى أن التدخل الذي رفع تحت شعار استعادة الدولة ساهم عمليا في تفكيكها.
في هذا السياق، برزت أدوار متباينة داخل التحالف نفسه، فقد ركزت الإمارات العربية المتحدة على دعم قوى محلية ذات أجندات خاصة، خصوصا في الجنوب، تحت خطاب مكافحة الإسلام السياسي، بينما سعت المملكة العربية السعودية إلى التحكم بالقرار السياسي للسلطة المعترف بها دوليا..
رابعا: تهميش الأحزاب وصعود الجماعات المسلحة
قبل الحرب، رغم كل الاختلالات، كان اليمن يمتلك حياة سياسية تعددية، وأحزابا فاعلة، ومساحة حتى وإن كانت محدودة للعمل المدني، لكن الحرب أعادت ترتيب الأولويات..
وهكذا، تراجعت الأحزاب إلى الهامش، لا فقط بسبب القمع أو الانقسام، بل أيضا بسبب فقدانها القدرة على التأثير في بيئة تحكمها القوة المسلحة..
خامسا: سردية التحالف كحل واستمرار الرهان
رغم كل هذه النتائج، ما تزال بعض النخب تراهن على دور السعودية والإمارات كمدخل للحل، لكن هذا التعويل دون إعادة بناء مشروع وطني مستقل يبدو رهانا محدود الجدوى..
الخلاصة أن المشكلة في اليمن لم تعد فقط في توازنات القوة، بل في السرديات التي تنتج هذه التوازنات. فحين تختزل الأزمة في شرعية وانقلاب، أو صراع إقليمي، يتم إقصاء المجتمع، وتغييب السياسة، وفتح المجال أمام العنف كوسيلة وحيدة للحسم..
ولهذا فإن إعادة اليمن إلى مسار سياسي تعددي لا تتطلب فقط وقف الحرب، بل تفكيك هذه السرديات، وإعادة الاعتبار لفكرة الدولة بوصفها عقدا اجتماعيا، لا مجرد أداة في صراع إقليمي. دون ذلك، سيظل المشهد محكوما بمنطق الجماعات المسلحة، مهما تغيرت التحالفات أو الشعارات..





