تواجه بلادنا اليوم مرحلة مفصلية تتطلب من مختلف القوى الوطنية الارتقاء إلى مستوى المسؤولية التاريخية التي تفرضها طبيعة المعركة ضد مشروع الانقلاب الحوثي فاستعادة الدولة أصبحت معركة شاملة تتطلب بناء رؤية وطنية جامعة تقوم على توحيد القرار وتعزيز الشراكة الوطنية وترسيخ مفهوم الدولة القائمة على القانون والمؤسسات.
الخلافات التي تظهر يوميا على منصات التواصل الاجتماعي وفي وسائل الإعلام التقليدية والإلكترونية، ليست سوى الجزء الظاهر وخلف تلك السجالات تقف تراكمات من الصراعات السياسية والحسابات الحزبية، والتنافس على النفوذ والمصالح .
والأخطر أن الخلافات لم تعد محصورة داخل الأطر السياسية المغلقة، وأنما تحولت إلى حالة استقطاب عامة يتغذى عليها الإعلام والناشطون، وبعض النخب السياسية بصورة تكرس الانقسام بدلا من معالجته ،وهنا تكمن خطورة المرحلة لأن أي معركة ضد مشروع عقائدي منظم كمليشيات الحوثي الارهابية ، و لا يمكن أن تنجح بجبهة مفككة تتبادل الاتهامات أكثر مما تواجه خصمها الحقيقي.
فالخطاب المتشنج الذي يسود بعض المنابر الإعلامية ومنصات التواصل لم يعد يخدم معركة استعادة الدولة ،وأنما أصبح يخلق بيئة طاردة لأي مشروع وطني جامع، وكثير من الطروحات تقوم على منطق التخوين والتصنيف والمزايدة الوطنية، ومحاولة احتكار النضال الجمهوري وكأن الوطنية تمنح بصكوك سياسية أو إعلامية، بينما الحقيقة أن الدفاع عن الجمهورية لا يقاس بالأسبقية ولا بالشعارات المرتفعة، ولا بحجم الحضور الإعلامي، وإنما بالموقف الوطني الصادق الذي يضع مصلحة اليمنيين فوق الحسابات الضيقة والمشاريع الصغيرة.
ومن المهم أن تدرك النخب السياسية والإعلامية أن الخطاب الوطني المسؤول، يجب أن يكون عاملا لتعزيز التماسك الوطني لا مساحة لتوسيع حالة الاستقطاب أو تغذية السجالات، التي تستهلك الجهد الوطني في منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المختلفة، بعيداً عن الأولويات الكبرى.
فالمعركة الوطنية تتطلب خطاباً عقلانياً يركز على المشتركات الوطنية وتقديم المصلحة العليا للدولة، على أي اعتبارات أخرى ،وكما أن الوعي السياسي الحقيقي يقاس بقدرته على إنتاج الحلول وتقريب المسافات وتهيئة المناخ المناسب، لبناء شراكة وطنية مستقرة وقادرة على مواجهة التحديات.
فالوطنية ليست حكراً على حزب او طرف أو مكون أو شخصية سياسية مهما كان تاريخها أو حضورها في مناهضة المشروع الكهنوتي، بينما الانتماء الحقيقي للجمهورية يقاس بالموقف الذي ينحاز لمصلحة الدولة ولمشروعها الوطني الجامع، بعيداً عن الحسابات الضيقة أو مشاريع النفوذ التي تتعارض مع تطلعات اليمنيين في بناء دولتهم واستعادة مؤسساتها ،فالمرحلة تستدعي إعادة صياغة العلاقة بين مختلف القوى الوطنية، على أساس الشراكة والتكامل وتحمل المسؤولية المشتركة تجاه مستقبل اليمن.
والمصالحة الوطنية تمثل الركيزة الأساسية لإعادة بناء الثقة؛ داخل معسكر الجمهورية وتوحيد الجهود السياسية والإعلامية والاجتماعية في إطار مشروع وطني جامع، يحافظ على أهداف ثورتي سبتمبر وأكتوبر ويعيد الاعتبار لقيم الجمهورية القائمة على الشراكة والمواطنة والعدالة، كما أن أي مشروع وطني لاستعادة الدولة لا يمكن أن يحقق أهدافه بصورة كاملة ،دون وجود حالة من التفاهم القادر على تجاوز آثار المراحل السابقة ،والانطلاق نحو بناء دولة تستوعب الجميع تحت سقف النظام والقانون.
كما أن العدالة الانتقالية أصبحت ضرورة وطنية لا تقل أهمية عن أي مسار سياسي أو عسكري، فالدول لا تستقر دون وجود منظومة عدالة تعالج الاختلالات وتؤسس لمرحلة جديدة قائمة على احترام القانون، ومحاسبة كل من تورط في الإضرار بمؤسسات الدولة أو بحقوق المواطنين دون تمييز أو انتقائية، أو كان شريك في اسقاط مؤسساتها بيد مليشيات الحوثي الارهابية، ويجب أن يكون تحقيق العدالة وفق إطار وطني وقانوني عادل ،يمثل خطوة أساسية لبناء الثقة وتعزيز الاستقرار وترسيخ مفهوم الدولة.
وأهمية هيئة التشاور والمصالحة المنبثقة عن إعلان نقل السلطة في أبريل ٢٠٢٢، تنبثق باعتبارها إحدى الأدوات الوطنية التي يعول عليها في تقريب وجهات النظر وتعزيز التوافق الوطني وإيجاد معالجات حقيقية للقضايا والخلافات، التي أثرت على أداء معسكر الجمهورية خلال السنوات الماضية ،في مواجهة الفكر الحوثي الطائفي الدخيل على المجتمع اليمني وتشكيلها يمثل خطوة استراتيجية لإعادة ترتيب البيت الجمهوري وتوحيد مكوناته السياسية والعسكرية والإعلامية.
والتي تتمثل من نخبة النخبة اليمنية وتحمل مسؤولية تاريخية تتجاوز الحسابات الحزبية والولاءات الضيقة، غير أن أي انحراف عن الدور الحقيقي لها أو عجزها عن تحقيق اختراقات حقيقية في ملف المصالحة الوطنية، سيجعل وجودها عبئاً سياسياً بدلا من أن تكون أداة لإنقاذ المشروع الجمهوري، في المقابل نجاح الهيئة في القيام بدورها الوطني يتطلب دعماً سياسياً حقيقياً، وإرادة جادة تتجاوز الحسابات الضيقة نحو مشروع وطني يضع استعادة الدولة في مقدمة الأولويات.
والمرحلة الراهنة تتطلب من الجميع الانتقال من مربع ردود الأفعال، إلى مساحة العمل الوطني المنظم القائم على الشراكة والتكامل، وتوحيد الرؤية تجاه مستقبل اليمن، فالدولة ومؤسساتها لن تستعاد بخطابات الانفعال ولا بالمواقف المؤقتة، وأنما بإرادة وطنية صلبة تؤمن بأن الجمهورية مشروع جامع لكل اليمنيين ،وحماية المشروع تبدأ من ترسيخ المصالحة الوطنية وتعزيز الثقة وتقديم مصلحة الوطن فوق كل الاعتبارات.




