عندما قرأنا خبر زيادة بدل الغلاء، ظن البعض أن الحكومة أخيرًا شعرت بمعاناة الناس، لكن سرعان ما اتضح أن ما أُعطي للمواطن بيد، سيُنتزع منه بأضعاف باليد الأخرى.
فسعر الدولار الجمركي الذي كان يُحتسب بنحو 750 ريالًا، سيقفز بعد “التحرير” إلى أكثر من 1500 ريال، ما يعني عمليًا مضاعفة التعرفة الجمركية على الواردات، وبالتالي موجة ارتفاع واسعة في أسعار السلع والخدمات، لأن التاجر الملتزم بالاستيراد عبر المنافذ الرسمية سيضطر بطبيعة الحال لتحميل هذه التكاليف على المواطن المنهك أصلًا.
لكن الكارثة الحقيقية لا تكمن في ارتفاع الرسوم فقط…
بل في أن هذه القرارات تُفرض بينما اقتصاد التهريب ما يزال يعمل علنًا، وتحت أعين الجميع، عبر منافذ ومسارات مفتوحة أمام بعض التجار غير الرسميين، والمقاولين، وشبكات النفوذ والقيادات المتورطة في حماية التهريب والاستفادة منه.
ولا يخفى على أحد أن المهرّب لا يدفع للدولة كما يدفع التاجر النظامي، ولا يتعامل أصلًا مع سعر الدولار الجمركي القديم أو الجديد، ولا مع فئات الرسوم الجمركية والضريبية، ولا حتى مع نسبة الـ5٪ الضريبة المضافة، بل يتم احتساب المبالغ عليه بطريقة مختلفة تمامًا، عبر الدفع على “الطرد” أو “البالة” بغض النظر عن حجم البضاعة وقيمتها الحقيقية، حيث قد يحتوي الطرد الواحد على عدة كراتين وبضائع بمبالغ كبيرة، ثم تُدفع رسوم أقل بكثير تذهب إلى جيوب متنفذين وشبكات فساد بعيدًا عن خزينة الدولة والقانون.
وفي المقابل، يُثقل التاجر الملتزم بالرسوم والضرائب والتكاليف الرسمية، ليجد نفسه في منافسة غير عادلة مع بضائع تدخل بتكاليف أقل، وحماية أكبر، ونفوذ أقوى.
وهنا تتحول الدولة — بدلًا من حماية الاقتصاد الوطني — إلى جهة تعاقب الملتزم، وتمنح الأفضلية للمهرّب والمتنفذ، الأمر الذي سيدفع كثيرًا من التجار إلى ترك المنافذ الرسمية والاتجاه نحو اقتصاد التهريب للبقاء في السوق.
ونحن لسنا ضد أي إجراءات قانونية تهدف إلى تحسين الإيرادات أو تنظيم العمل الجمركي، لكننا ضد أن يُترك التهريب ومنافذه وشبكاته تعمل بحرية، بينما تُفرض الأعباء فقط على المواطن والتاجر الملتزم.
كما أننا ضد استمرار حماية بعض القيادات المدنية والعسكرية المتورطة في تسهيل التهريب أو التغطية عليه، في الوقت الذي يفترض أن تُحاسب فيه، فإذا بها تحصل على النفوذ والترقيات بدل المساءلة والعقاب.
والنتيجة المتوقعة واضحة:
ارتفاع أسعار، تراجع القدرة الشرائية، توسع السوق السوداء، شلل تدريجي للمنافذ الرسمية، واتساع نفوذ شبكات الفساد والاقتصاد الموازي.
أما الحديث عن “إصلاحات اقتصادية” دون إغلاق منافذ التهريب، ومحاسبة المتورطين في حماية شبكات التهريب والجبايات، فليس إصلاحًا حقيقيًا، بل إعادة تدوير للأزمة على حساب المواطن.
فالإصلاح الاقتصادي الحقيقي يبدأ باستعادة مؤسسات الدولة من اقتصاد الظل، وتجفيف منابع الفساد، وإسقاط الامتيازات غير القانونية التي صنعت اقتصادًا موازيًا أقوى من مؤسسات الحكومة نفسها.
وينطبق على هذه القرارات المثل الشعبي:
“ما أعطاك بيمينه… أخذه بشماله”،
وربما أخذ أكثر مما أعطى بكثير.




