السبت، 23 مايو 2026 | الموافق ٦ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ
الرأي

سلام المقايضات وخطر التفاهمات المتراكمة

الحوثيون واستدعاء الحرب: من جلب القصف إلى التنكر له"

في صحيفة النداء الصادرة يوم امس الموافق 22/5/2026 م كتب استاذ العلوم السياسيه بجامعه صنعاء، الدكتور احمد الاحصب مقالا تحليلياً بعنوان(سلام المقايضات وخطر التفاهمات المتراكمه) أنطلق الكاتب الأحصب في ألماله من فرضية سياسية واستراتيجية تحتاج إلى الكثير من الضبط مفادها (أن التفاهمات الراهنة بين المملكة العربية السعودية وجماعة الحوثي، تعني بالضرورة الى عمليه انتقال الحوثي تدريجياً من خانة الخصم إلى موقع الشريك الأمني) ورغم أن المقال حاول ملامسة مخرجات المشهد إلا أن قراءته البنيوية ،سقطت في الفخ الكلاسيكي الذي يقع فيه بعض المحللون وهو الخلط المفاهيمي الحاد، بين الوسيلة التكتيكية لتقليل الخسائر وبين التحول الاستراتيجي في العقيدة الأمنية للدول.

إن القراءة النقظية المستندة إلى أدبيات الواقعية السياسية، وتوازنات القوى تكشف أن توصيف الاحصب ليس مضللاً سياسياً، فحسب بل وعاجز عن فهم ديناميكيات الصراع، فالذي يجري على الأرض ليس بناء شراكة بل هو إدارة لكلفة الصراع.

عبر تفاهمات مؤقتة فرضها ميزان الردع المتغير لا التحول في الهوية الاستراتيجية، لأطراف النزاع ووفقاً للتعريف المستقر في العلوم السياسية ،فإن الشريك الأمني هو طرف يوافق على وقف العداء البنيوي ويتبادل التنسيق والمعلومات الاستخباراتية .

ويشارك بصورة مؤسسية في حماية المصالح الحيوية المشتركة، وإذا ما أسقطنا هذا التعريف على الجماعة الحوثية فإن فرضية الأحصب تنهار أمام أول اختبار سلوكي ومؤسسي، فالبعد الإيراني المتغير الغائب الذي غاب عن مقال الأخصب هو أن أي نقاش للشريك الأمني لا يستقيم دون إدخال المتغير الإيراني كمعطى بنيوي .

فالحوثي ليس فاعلاً مستقلاً بالكامل بل جزء من محور المقاومة ومندرج ضمن عقيدة وحدة الساحات ،وطهران تستخدم الحوثي كورقة ضغط تفاوضية وذراعا متقدماً لتهديد باب المندب وخاصرة السعودية الجنوبية ،ونزع سلاح الحوثي أو تحويله لشريك سعودي يعني خسارة إيران لرافعة استراتيجية كلفتها عقودا من الاستثمار.

لذلك حتى لو أرادت قيادة الحوثي الانخراط في شراكة أمنية، فإن سقف المناورة محدود بفيتو إيراني غير معلن، والنتيجة أن معادلة الشريك الأمني مستحيلة، حتى لو افترضنا جدلا قبلت الرياض فطهران لن تسمح إن التفاهمات القائمة بين السعودية وجماعة الحوثي ، وهي تفاهمات احتواء متبادل.

فلا يزال الحوثي محتفظاً بخطابه العقائدي التعبئوي العدائي تجاه السعوديه ،ويواصل بناء ترسانته العسكرية وصياغة عقيدته القتالية باعتبار المملكة ،خصماً مستقبلياً وليس حليفاً أمنياً كما لا توجد حتى اللحظة اتفاقيات دفاعية ولا لجان تنسيق عليا، ولا غرف عمليات مشتركة ولا اعتراف متبادل بالمصالح الأمنية الحيوية .

وكل ما هنالك هو خطوط اتصال ساخنة لمنع الصدام المباشر وهي تشبه تماما الخطوط الساخنة ،التي كانت قائمة بين واشنطن وموسكو إبان الحرب الباردة، والتي لم تجعل من السوفييت يوما شركاء لأمريكا، إن التفاهمات القائمة بين السعوديه وجماعة الحوثي هي تفاهمات احتواء متبادل، تقع تحت قاعدة تكتيكية بسيطة لا تضربني ولا أضربك.

بينما يظل الدعم السعودي الرسمي واللوجستي موجهاً للحكومة الشرعية عبر الودائع والتسليح، وإعادة الهيكلة العسكرية مما يؤكد أن الرياض لم تستبدل الشرعية بالحوثي كما توهم المقال .

ولقد أخطأ الأحصب حين اعتبر مجرد الجلوس على طاولة التفاهمات صكا للشراكة والتجارب الدولية المعاصرة ، التي تذخر بنماذج أدارت فيها الدول صراعاتها مع جماعات مسلحة دون أن تمنحها أي شرعية تحالفية حيث تفاوضت الولايات المتحدة مع حركة طالبان في الدوحة، لترتيب انسحاب عسكري وتقليل كلفة الاستنزاف دون أن تصنف طالبان يوما كشريك أمني لحماية مصالحها في آسيا الوسطى.

كما أدارت أنقرة مسارات تفاوضية طويلة مع حزب العمال الكردستاني بالتوازي مع استمرار العمليات العسكرية، والقصف الاستراتيجي لمعاقله ،وبالمثل أديرت بين إسرائيل وحركة حماس تفاهمات طويلة ومعقدة عبر وسيط لترتيب ملفات التهدئة، في ذات الوقت الذي كان فيه الحصار والاغتيالات مستمرين، وفي كل هذه الحالات كانت الدول تمارس إدارة الصراع لتقليل الكلفة وليس حل الصراع عبر إعادة تعريف العدو وتحويله إلى حليف

وعلى صعيد آخر عرج مقال الأحصب على إضعاف الشرعية كأحد نتائج هذه التفاهمات، وهنا وجب تصحيح المسبب فالشرعية اليمنية لم تضعف بسبب التفاهمات السعودية الحوثية، بل ولدت من رحم الضعف بسبب أزماتها البنيوية الداخلية المزمنة من انقسامات وتضارب مراكز النفوذ والفساد المالي، والعجز الخدمي وغياب المشروع السياسي الجامع ،بعد مرحلة إسقاط الانقلاب وإن الدول مهما قدمت من دعم مالي وعسكري لا تستطيع تصنيع شرعية داخلية مستقرة من الخارج.

وما فعلته التفاهمات أنها كشفت هشاشة البنية الداخلية للشرعية ،ولم تصنع تلك الهشاشة وإذا كان الأحصب قد أخطأ في تشخيص المقدمات والمفاهيم، فإنه قد لامس بعض النتائج دون وعي بجوهرها الاستراتيجي.

فالخطر الحقيقي في المشهد اليمني لا يتمثل في تحول الحوثي الوهمي إلى شريك أمني، بل في أن التهدئة الطويلة تمنحه المورد الأثمن في الحروب وهو الزمن ،حيث يتحول التفاهم الطويل بلا حسم إلى سلاح يمنح الخصم الوقت الكافي لإعادة إنتاج نفسه والتحول إلى خصم مرتفع الكلفة يصعب استئصاله مستقبلا ،وهنا يقترب الحوثي تدريجياً مما أسميه نقطة التعادل الاستراتيجي، وهي المرحلة التي تصبح فيها كلفة ضربه عسكريا أعلى بكثير من كلفة احتوائه سياسياُ.

ومع النمو المتسارع في قدراته الصاروخية والمسيرة وتوسع اقتصاد الحرب وتطوير بنيته التحتية العسكرية تحت الأرض، تتجه المعادلة نحو ردع متبادل يجعل أي حرب شاملة مخاطرة اقتصادية وأمنية ضخمة على المملكة والمنطقة بأسرها، وإذا استمر هذا المسار فإن الحوثي يتجه ليصبح نسخة أكثر تعقيداً من نموذج حزب الله أي قوة عصية على الاقتلاع العسكري ،حتى لو أمكن احتواؤها سياسياً.

وبناءاً على ما تقدم تسقط فرضية الصفقة الكبرى، فالحوثي لا يثق بضمانات ما بعد نزع السلاح والشرعية ترى في التنازلات شرعنة للانقلاب ،وإيران ترى في بقاء الورقة الحوثية المسلحة جزءاً حيوياً من توازنها الإقليمي.

والخلاصة التي غفل عنها مقال الأحصب هي أن السعودية لا تسلح الحوثي ولا تتحالف معه ،لكنها في الوقت نفسه لم تعد قادرة على منعه من التراكم العسكري كخصم ،وبالتالي فإن المعادلة الحالية ليست شراكة أمنية بل هي توازن ضعف متبادل، حيث يؤجل كل طرف الانفجار الكبير بينما يمنح الوقت للتهديد، كي ينمو ويتجذر بشكل أعمق، وإن سلام المقايضات هذا ليس حلاً بل هو تأجيل ذكي لكلفة باهظة ستدفعها المنطقة عاجلا أم آجلا.