يعرض علينا أحدُ الكتّاب _وهو وزير إعلامٍ كويتي سابق_ على المستوى الشخصي له كل الاحترام والتقدير ، قياساً تاريخياً يبدو في ظاهره حكمةً متأنّية وفي باطنه مغالطةٌ بنيوية . خلاصةُ قوله: “إنّ أمريكا أيزنهاور وقفت مع العرب في خمسينيات القرن الماضي، فأجبرت دولَ العدوان الثلاثي على الانسحاب من مصر.
ودعت إلى حلف بغداد وإلى مشروعها الاقتصادي وإلى السلام؛ ولو أصغينا إليها لانتفت الحروب وأثرَت المنطقة، لكنّ «ثوريّاتنا» رفضت الحلف فتدمّرنا. ثمّ يَخلص إلى السؤال المُوجِّه: ها هو ترامب يدعونا اليوم إلى «السلام الإبراهيمي»، فهل نرفض ونندم لاحقاً كالعادة؟”
السؤال مشروعٌ في صياغته معتلٌّ في أساسه فهو لا يقوم على وقائع التاريخ كما جرت ، بل على انتقاءٍ لها ثمّ تركيبٍ يُخفي تناقضاً جوهرياً بين حدثين جُمعا في سلّةٍ واحدة . وحين نفكّك المقدمات ينهار المُقدَّم والنتيجة معاً . والأخطر أنّ السابقة التي اختارها الكاتب ليُزكّي بها القبول _حلف بغداد_ هي بعينها أوضح شاهدٍ تاريخي على خطر الانخراط الذي يُحذّر منه دعاةُ التروّي اليوم .
أولاً: حدثان متناقضان في سلّةٍ واحدة
يُسند الكاتب حجّته إلى موقفين يجمع بينهما الراعي الأمريكي ويفرّق بينهما الجوهر تفريقاً حاسماً . الأول هو ضغط أيزنهاور في أزمة السويس عام 1956 وهو موقفٌ حقيقي لا يُنكَر: فقد هدّدت واشنطن لندن وباريس بعقوبات ولوّحت بإلحاق الضرر بالجنيه الإسترليني عبر بيع سنداته.
وأمسكت عنها شحنات النفط حتى انسحبت القوات الثلاث . لكنّ علّة هذا الموقف ليست انحيازاً مبدئياً للحق العربي إنما حسابٌ بارد في معمعة الحرب الباردة: أرادت أمريكا أن تنأى بنفسها عن الاستعمار الأوروبي في اللحظة ذاتها التي كانت تُدين فيها الاجتياح السوفيتي للمجر وخشيت أن يتدخّل السوفيت لنصرة عبد الناصر فيكسبوا الشارع العربي ، أي أنّ مصلحة العرب تحقّقت هنا عَرَضاً، لا قصداً .
بل إنّ في الأمر طبقةً أعمق ينبغي ألّا تفوت القارئ: فالسويس لم تكن لحظة انحيازٍ أمريكي للعرب ولا مجرّد حسابٍ ظرفي للحرب الباردة ، بل كانت _في جوهرها البنيوي_ لحظة انتقال الرايّة من لندن إلى واشنطن .
فالقوة الصاعدة أزاحت القوة الآفلة من مسرح الشرق الأوسط، وأعلنت أنّ المنطقة باتت ساحةَ نفوذها هي ، ويُجمع المؤرّخون على أنّ الأزمة شكّلت النهاية الحاسمة لبريطانيا قوةً مهيمنة في المنطقة لتحلّ محلّها الولايات المتحدة ، فتكتشف لندن أنها لم تعد قادرة على متابعة طموحاتها الاستراتيجية دون موافقةٍ أمريكية .
والدليل على هذا الجوهر هو الأداة نفسها: لم تكتفِ واشنطن بالضغط الدبلوماسي، بل لوّحت بضرب الجنيه الإسترليني عبر بيع سنداته — أي بالسلاح المالي القادر على إسقاط عملة احتياطٍ عالمية وإجبار صاحبها على الانكفاء الإمبراطوري. ثمّ جاء التتويج صريحاً بعد أشهر بإعلان «مبدأ أيزنهاور» مطلع 1957، الذي تعهّد بمدّ المساعدة لأي دولةٍ شرق أوسطية تقاوم الشيوعية .
فكان الإحلالَ الرسمي للنفوذ الأمريكي محلّ البريطاني . وهنا تنهار الفرضية الأخلاقية التي يقوم عليها طرح الكاتب برمّته: فما جرى في السويس لم يكن «إحساناً» أمريكياً كفر به العرب بل إعادة توزيعٍ للسيطرة بين راعيَين؛ خرج العربي فيها من تبعيةٍ ليجد نفسه ساحةً تنتقل ملكيّتها إلى قوةٍ أحدث .
والثاني هو حلف بغداد عام 1955 وهنا تنقلب الحجّة على صاحبها . فالحلف الذي يقدّمه الكاتب بوصفه «الفرصة الضائعة» كان _في تقدير واشنطن ولندن قبل القاهرة_ أداةً لعزل مصر وتفتيت الصفّ العربي وربط المنطقة بحلف الناتو عبر تركيا . لم يكن الرفض العربي له نزقاً ثورياً ، بل قراءةً صائبة لمنطق «فرّق تسُد». فكيف يستقيم أن يُجمع بين ضغطٍ خدم العرب عَرَضاً ، وترتيبٍ صُمّم بنيةً لتفتيتهم ، ثمّ يُقدَّمان معاً تحت عنوانٍ واحد هو «أمريكا التي وقفت معنا»؟
ثانياً: شهادةُ الخصم قبل الصديق
لو كان وصفُ حلف بغداد بأنه أداة تفتيتٍ تأويلاً ناصرياً وحده ، لجاز ردّه لكنّ الشهادة تأتي من المصادر الغربية ووثائق الخارجية الأمريكية ذاتها . فالسفير الأمريكي هنري بايرود قيّم في مارس 1955 أنّ ما أزعج عبد الناصر لم يكن انضمام العراق إلى الحلف بحدّ ذاته ، بل المسعى العراقي لجرّ بقيّة الدول العربية إليه .
وهو ما رآه محاولةً صريحة لعزل مصر داخل محيطها العربي . والمؤرّخون الغربيون يثبتون أنّ عبد الناصر اعتبر الحلف جزءاً من جهدٍ بريطاني لشقّ الدول العربية إلى مجموعاتٍ متنازعة وتقسيم المنطقة عبر تصعيد التوتر بينها .
بل إنّ تقريراً في وثائق العلاقات الخارجية الأمريكية للأعوام 1955–1957 يُسجّل صراحةً أنّ كثيراً من العرب رأوا في الحلف وسيلةً قد تُستخدم لاحقاً لفرض سلامٍ مع إسرائيل . وهذه نقطةٌ بالغة الدلالة: فالتقاطع بين «الترتيب الأمني» و«فرض السلام» لم يكن وهماً تخيّله العرب بل كان مُدرَكاً في حسابات الغرب نفسه .
وهنا يتّضح لماذا تُعَدّ هذه السابقة أسوأ ما يمكن الاستشهاد به لتسويغ تطبيعٍ يسبق الحلّ النهائي للقضية . ولا يعني هذا أن التجربة العربية المضادة لحلف بغداد كانت ناجحة أو خالية من الأخطاء؛ فالكثير من الأنظمة التي رفعت شعار الاستقلال وقعت لاحقاً في الاستبداد والعسكرة وسوء الإدارة . غير أن فشل البديل لا يحوّل الترتيب المقابل تلقائياً إلى خيارٍ صائب .
خلاصة القول: الرفض العربي لحلف بغداد لم يكن خطيئةً نَدفع ثمنها اليوم بل كان إدراكاً مبكراً أنّ الترتيب الذي يُعرّف لك عدوّك ، ويضمّ جارك ويعزلك ، ويُمهّد لفرض تسويةٍ عليك ليس حمايةً ، بل احتواء .
ثالثاً: مغالطة «رفضنا فتدمّرنا»
يربط الكاتب بين الرفض والدمار رابطةَ سببٍ ونتيجة ، وهي من أوهن صور الاستدلال؛ إذ تقفز من «حدثٍ تلا حدثاً» إلى «حدثٍ تسبّب في حدث» والدمار الذي أصاب الإقليم لاحقاً _من هزيمة 1967 إلى تعثّر التنمية إلى تغوّل الاستبداد _ له عللٌ مركّبة: عسكرة الدولة ، واستقطاب الحرب الباردة ، والبنية الاقتصادية الريعية وأسباب أخرى عدة . اختزالُ هذا كلّه في «رفض حلفٍ واحد» تبسيطٌ يُسقط عشرات المتغيّرات .
والدليل المضادّ حاضرٌ في صلب الواقعة: فالدولة التي احتضنت الحلف ووقّعته _أي العراق الملكي نفسه_ لم يَقِها انخراطُها شيئاً . فقد سقط النظام بانقلابٍ دموي عام 1958 قُتل فيه الملك ورئيس وزرائه نوري السعيد ، ثم انسحب العراق من الحلف عام 1959 ونعته بأنه من مخلّفات الإمبريالية الغربية . فإذا كان الانخراط لم يَعصِم صاحبَه الأصلي من الانهيار ، فبأيّ منطقٍ يُجعَل الرفضُ علّةً للدمار؟ الحقيقة أنّ الحلف لم يكن مَعقِد نجاةٍ فات بعضنا ركوبُه ، بل كان خطّ صدعٍ مزّق العلاقات العربية البينية وأنتج جزءاً من الاضطراب الذي يُلام عليه الرفض زوراً .
رابعاً: حين تنقلب السابقة على صاحبها
هنا بيت القصيد . القياس على حلف بغداد لا يخدم دعوة الكاتب بل يكشف بنية الخطر التي يُنبّه إليها أنصار الشروط والتروّي . فإذا جرّدنا النموذجين من زمنهما رأينا التطابق في الهيكل: قوةٌ كبرى خارجية ترعى الترتيب وعدوٌّ تُعرّفه هي لا الإقليم (الاتحاد السوفيتي بالأمس ، وطهران اليوم) وأثرٌ متوقّع على التماسك العربي عبر ضمّ بعضٍ وعزل بعض ، وقضيةٌ فلسطينية تُؤجَّل أو يُلتفّ عليها تحت لافتة «السلام والأمن والازدهار» .
فالدرس الصحيح من خمسينيات القرن الماضي ليس «كان علينا أن نقبل» بل «احذر الترتيب الذي يُعرّف عدوّك نيابةً عنك ، ويفتّت صفّك تحت لافتة الحماية ، ويُقايضك على ثوابتك قبل أن تستوفي حقوقك» ، ومن يستدعي حلف بغداد ليقول «اقبلوا»، إنّما يستدعي _من حيث لا يدري _ أنصعَ مثالٍ تاريخي على وجوب التريّث وإحكام الشروط .
خامساً: مغالطاتٌ تَسكن بنية الخطاب
إلى جانب خلل القياس يقوم الطرح على جملةٍ من المغالطات اللصيقة بصياغته:
الثنائيةُ الزائفة: يُختزل الخيار في «اقبل أو اندم»، بينما الواقع يتّسع لخياراتٍ ثالثة ورابعة: التفاوض المشروط والانخراط الجماعي عبر مبادرةٍ عربية (كمبادرة السلام العربية 2002) وربطُ أيّ تطبيعٍ بمسارٍ سياسي جادّ للقضية الفلسطينية وكموقف سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في صلب موقف المملكة الثابت .
شحنةُ «كالعادة»: تمرّر هذه الكلمة فرضيةً ضمنية مفادها أنّ العرب مخطئون دائماً؛ وهي تعبئةٌ وجدانية لجَلد الذات تستهدف تعطيل التفكير النقدي قبل أن يبدأ ، لا برهاناً يصحّ الاتّكاء عليه .
تسميةُ الأشياء بغير اسمها: وصفُ ترتيبٍ أمني–سياسي مرتبطٍ بقوةٍ كبرى بأنه «سلام» خالص يطمس طبيعته التفاوضية ومقايضاته ، ويصادر الحكم قبل فحص الشروط .
حذفُ الكلفة والفاعل: يَعرض الطرحُ «الفرصة» ويُسقط تماماً ما يُطلب مقابلها ومَن يدفع ثمنها؛ وهو حذفٌ منهجي لأحد طرفَي المعادلة كي تبدو رابحةً بلا ثمن .




