وقفوا في جبل عرفة، حيث وقف محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، بعد أن أكمل آخر رسالات السماء، داعيًا الله بنصرة وتمكين دينه ، وحاضًا عموم الحجيج الحاضرين بأن يكونوا شهودًا له ، ومواصلة دعوته إلى العالمين .
مليون وسبعمائة ألف حاج ، أدّوا مناسك الحج الأكبر إلى بيت الله الذي شيده النبي إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام، طافوا حول البيت العتيق في مشهد روحي مؤثر ودالٍّ على عظمة الإسلام الذي دعا إليه أنبياء الله ورسله: نوح، وإبراهيم، ويعقوب، وداود، وسليمان، ويوسف، وأيوب، وموسى، وعيسى، ومحمد، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين .
أيام قليلة، لكنها زاخرة بالمعاني الإنسانية القيّمة، فجميع الحجاج جاؤوا من كافة بلدان العالم، بصوت واحد وسيمفونية واحدة، وكلمات واحدة: " لبيك اللهم لبيك ،إن الحمد والنعمة لك والمُلك ، لا شريك لك " .
لباسهم لا يزيد عن قطعة قماش ناصعة البياض ، وقفوا جميعهم وبلون واحد وصوت واحد ولغة واحدة ومكان واحد، بلا فوارق طبقية ولا فئوية، ولا تمايز بين غني وفقير، ملك ورئيس ووزير أو جندي أو حارس أو شخص عادي، لا فرق بين أسود وأبيض، ولا رجل وامرأة، ولا شيخ وشاب.
يا إلهي ، ما أعظم كلماتك الأخيرة المنزلة على نبيك محمد في هذا اليوم الشاهد والمشهود : "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا". وما أعظم تلك الكلمات الوداعية لنبيك محمد الذي قال في خطبته في حجة الوداع: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا".
شخصيًا، حين أشاهد الحجيج يؤدون شعائر الحج، تنتابني القشعريرة من عظمة المشهد ؛ رداء أبيض بسيط، هتاف واحد : " لبيك اللهم لبيك" ، جميعهم ناس عاديون بسطاء، سواسية بلا فروقات ولا تمايز، كلهم عبيد الله يرجون رحمته ومغفرته .
فهل ثمة مشهد يضاهي وقفة الحجاج في عرفة أو طوافهم أو أدائهم لتفاصيل فريضة الحج؟ أجزم أن تلك التكبيرات الصادحة في ارجاء " مكة "، بموازاة تكبيرات المسلمين في كافة بقاع الدنيا، لهي أعظم سيمفونية عرفتها البشرية .
أما خطبة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فهي كلمات ينبغي أن تُكتب حروفها في كافة القوانين الوضعية المنظمة لحياة البشر، بل ويجب أن تُنحت على أبواب الوكالات والمفوضيات والوزارات المعنية بحقوق الإنسان.
والحقيقة أنه لا توجد كلمات دعت إلى المساواة ورفضت التمايز على أساس العرق أو اللون أو اللغة أو الجنس مثل تلك التي وردت في خطبة الوداع:
"يا أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد".
ثم يأتيك اليوم، بعد أربعة عشر قرنًا ونصف القرن، شخصٌ أو جماعة عليلة الفهم والتفكير، تقول بتفوقها العرقي، وأنها أرفع مقامًا وأنقى دمًا، وأنها الحق الناطق باسم رب السماء، وأنها العترة الشريفة الطاهرة دون سواها من خلق الله، رافضة قيم ومبادئ وشرائع الله والرسل، لا لشيء إلا لشهوة السلطة والتسلط على رقاب العباد .
لا أدري حقيقةً ؛ هل مشاعر الحج لم تمس أولئك الذين يدّعون نسبًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم ينقضون ما جاء به من مساواة ؟ أم أن الولاية والخُمس أهم من القرآن والسنة النبوية والوحي والشهادتين والصلاة والصيام والحج ؟ فهذه أصبحت أصنامًا تُتلى ولا تُعاش؟ .
"كلكم لآدم، وآدم من تراب"... كلمات خالدة، لو وعاها البشر لما سُفكت دماء، ولا استُعبدت شعوب، ولا جُعِل الإنسان لونًا يُفاخر به أو نسب يُتطاول عليه .
لكن العجب كل العجب أن نرى من يدّعون الانتماء إلى هذا الدين وهم أشد الناس بُعدًا عن روحه، يبنون جدران التمايز في حضرة المساواة، ويزرعون بذور العنصرية في تربة الإخاء .
يا أمة محمد ، تأملوا ، مليونا حاج تقريبًا ، جاؤوا حفاة شبه عراة، بلا جيوش ولا رايات ولا ألقاب، رداؤهم البياض، وشعارهم "لبيك اللهم لبيك"، فإذا هم أمام الله سواء، لا يُعرف الغني من الفقير ، ولا الملك من الغفير ، ولا العربي من الأعجمي .
أليست هذه هي الصورة الأسمى للإنسانية التي حلم بها عظماء الفلسفة والمنطق والسياسة والحقوق والأدب والشعر والفن ؟ أليس هذا هو التوحيد العملي الذي يتجسد في لحظة عبودية خالصة؟
نعم ، لنتذكر جميعًا، وكلما تاه بنا الغرور أو زين لنا الشيطان تفاهة الدنيا ، أننا من تراب، وإلى تراب نعود ، وأن القبر ليس به غُرف للملوك وأخرى للمساكين، وأن الحساب ليس فيه محامٍ يشفع بمال أو جاه .
" يومئذٍ لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم " فهل آن الأوان لنعي أن الدين ليس ألقابًا يُتفاخر بها ولا أنسابًا يُتطاول بها، بل تقوى في القلب وعمل صالح في الحياة؟ .




