الخميس، 28 مايو 2026 | الموافق ١١ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ
الرأي

برحيل هادي تنتهي أخر طبعة للرئاسة

حرب معلنة من داخل قلب الشرعية

‏برحيل الرئيس عبدربه رحمه الله تنتهي فعليًا آخر طبعة للرئاسة اليمنية التي امتلكت ولو شكليًا، غطاء شرعي وتوافقي نابع من لحظة سياسية داخلية وليس من موازين القوة المسلحة أو هندسة الخارج.

لم يكن الرجل مجرد رئيس انتقالي، بقدر ما كان الفرصة الأخيرة لإعادة إنتاج الدولة بعد 2011، لكن تلك الفرصة أهدرت تحت إدارة مرتبكة للسلطة وعقلية مناطقية حاقدة افتقرت إلى الإرادة السيادية وإلى القدرة على تحويل الشرعية من عنوان سياسي إلى مشروع دولة.

المأساة في هادي لم تكن في سقوطه أمام الحوثي فقط، بل في عجزه المبكر عن إدراك أن الشرعية التي لا تحتكر القوة والمؤسسة والقرار تتحول تدريجيًا إلى غطاء تتغذى داخله شبكات النفوذ، وتحت لافتة حماية الجمهورية، جرى تفكيك الجمهورية نفسها من الداخل، وتمددت جماعة الإخوان داخل بنية السلطة والقرار وداخل البنية السياسية والعسكرية والإدارية والمالية للدولة ليس باعتبارها شريك مرحلي بل بوصفها مركز إعادة تشكيل للسلطة وفق منطق التنظيم.

هادي، بشخصيته البيروقراطية الباردة، تعامل مع الصراع بوصفه أزمة قابلة للاحتواء بالتوازنات بينما كان اليمن يدخل طور الانهيار البنيوي الشامل.

ولم يفهم أن اللحظات الانتقالية لا تدار بالحياد وأن الرئاسة في الدول الهشة ليست موقع تنسيق، بل مركز فرض إرادة سياسية صلبة، وكان من الطبيعي أن تتحول مؤسسة الرئاسة في عهده من مركز لإعادة بناء الدولة إلى مساحة رخوة لتوزيع النفوذ وإدارة التناقضات وتأجيل الانفجار حتى وقع الانهيار الكامل.

وحين سقطت صنعاء، لم تسقط فقط العاصمة، بل سقط معها المفهوم الأخير للدولة الجمهورية القادرة على إنتاج سلطة وطنية مستقلة، ومنذ تلك اللحظة، تحولت الشرعية إلى بنية مستهلكة تعيش على الدعم الخارجي أكثر مما تستند إلى قاعدة سيادية داخلية بينما أصبحت الحرب نفسها إطار لإعادة تدوير النخب والفصائل ومراكز المصالح.

الأكثر قسوة أن هادي، حتى في لحظة خروجه لم ينجح في إنتاج انتقال سياسي فعلي بل سلم البلاد إلى صيغة جماعية فاشلة هي الأخرى كرست تفتيت القرار بدل معالجته، فالتفويض الرئاسي لم يكن انتقال من أزمة إلى دولة بل انتقال من فشل فردي إلى فشل جماعي مقنن ومن عجز شخص إلى تعدد مراكز عجز متنازعة، ولهذا سيبقى هادي في الذاكرة السياسية اليمنية ليس فقط كرجل هزمته المليشيا بل كرئيس أضاع آخر فرصة تاريخية لإعادة تأسيس الدولة وترك الجمهورية تدخل أخطر مراحلها وخصوصًا مرحلة الفراغ السيادي الكامل.