تشهد الجمهورية اليمنية اليوم واحدة من أخطر الأزمات الدستورية والسياسية في تاريخها الحديث، وذلك عقب وفاة الرئيس السابق عبدربه منصور هادي، الذي مثّل خلال السنوات الماضية المرجعية القانونية والسياسية المكلفة دوليا (بعد انتهاء شرعيته الدستورية في 2014) والتي استندت إليها الشرعية اليمنية المعترف بها دولياً.
ومن أجل فهم طبيعة الأزمة الراهنة، ينبغي التمييز بين الشرعية الدستورية الأصلية والشرعية الدولية الاستثنائية التي مُنحت (استثناءا) للرئيس هادي خلال المرحلة الانتقالية . فالرئيس عبدربه منصور هادي انتهت ولايته الدستورية وفقاً للنصوص الدستورية اليمنية والمبادرة الخليجية المزمنة بعامين منذ عام 2014، إلا أن المجتمع الدولي وبعد انقلاب ميليشيات الحوثيين ، من خلال مجلس الأمن واللجنة الرباعية الدولية والدول الرباعية الراعية للعملية السياسية، استمرت في الاعتراف به وتكليفه بشخصه بصفته الممثل الشرعي للدولة اليمنية، استناداً إلى ظروف استثنائية فرضها ظرف الانقلاب الحوثي والحرب الدائرة في البلاد.
وقد كرّس قرار مجلس الأمن رقم 2216 (2015) هذا الاعتراف الدولي، حيث تعامل مع الرئيس هادي بوصفه المرجعية الشرعية الدولية للدولة اليمنية، وهو ما منح شرعيته بعداً دولياً استثنائياً وتجاوز حدود ولايته الدستورية الأصلية بسنتين . وبذلك أصبح الرئيس هادي، من الناحية العملية، مفوضاً دولياً بإدارة شؤون الدولة اليمنية خلال المرحلة الانتقالية وتحت إشراف المجتمع الدولي ودول اللجنة الرباعية المعنية بالملف اليمني.
غير أن وفاة الرئيس هادي تطرح اليوم سؤالاً قانونياً ودستورياً جوهرياً: من يملك حق الاستمرار في ممارسة هذه الشرعية الاستثنائية بعد وفاة الشخص الذي ارتبطت به؟
في القانون الدستوري وفي القواعد العامة للقانون الدولي والتجارب المماثلة ، تعتبر الوكالة أو التفويض من التصرفات الشخصية التي تنتهي بوفاة صاحبها أو الشخص المفوض بها. وتعبّر القاعدة القانونية المستقرة عن ذلك بقولها إن “الوكالة تنتهي بموت الموكل أو الوكيل”. وإذا كانت الشرعية الدولية الاستثنائية قد ارتبطت بشخص الرئيس هادي، فإن وفاة هذا الشخص تؤدي حكماً إلى انتهاء ذلك التفويض الشخصي منه لمجلس القيادة الرئاسي وعدم إمكانية انتقاله تلقائياً إلى جهات أخرى لم يمنحها الشعب اليمني تفويضاً انتخابياً مباشراً.
ومن هنا تظهر أهمية العودة إلى الدستور اليمني باعتباره المصدر الأصلي للشرعية اليمنية . فالمادة (116) من دستور الجمهورية اليمنية وضعت معالجة واضحة لحالة خلو منصب رئيس الجمهورية، وأوجدت آلية دستورية تحول دون حدوث فراغ في رأس الدولة أو انهيار المركز القانوني للجمهورية.
وبناءً على هذا الأساس، فإن رئيس مجلس النواب اليمني الشيخ سلطان البركاني ، باعتباره رئيس المؤسسة التشريعية المنتخبة الوحيدة التي ما زالت تستند إلى شرعية انتخابية مباشرة مهما طال أمدها ، يمثل اليوم الجهة الدستورية الأجدر بتولي مهام رئاسة الدولة بصورة مؤقتة إلى حين انتخاب رئيس جديد للجمهورية وفقاً للدستور.
إن الهدف من هذا الانتقال ليس منح امتيازات سياسية لشخص أو حزب أو تيار معين، وإنما هو حماية المركز الدستوري والقانوني للدولة اليمنية ذاتها. فالدولة لا يجوز أن تبقى بلا رأس دستوري معترف به ، كما أن استمرار مؤسسات أنشئت أو كُلِّفت بقرارات استثنائية مستمدة من تفويض الرئيس الراحل هادي ولم تحقق اي شيء منذ 4 سنوات يثير إشكاليات قانونية متزايدة بعد وفاة الرئيس الراحل .
ومن هذه الزاوية، فإن تكليف رئيس مجلس النواب الشيخ سلطان البركاني بتولي مهام رئاسة الجمهورية اليمنية بصورة مؤقتة لا يمثل خروجاً على الشرعية الدولية، بل يمكن اعتباره مواءمة منطقية بين متطلبات الدستور اليمني ومقتضيات الشرعية الدولية التي سعت أصلاً إلى الحفاظ على مؤسسات الدولة ومنع انهيارها والقضاء على الانقلاب الحوثي .
كما أن هذه الخطوة من شأنها أن توفر أساساً قانونياً أكثر صلابة لأي عملية سياسية قادمة، وأن تمنح المجتمع الدولي شريكاً دستورياً واضحاً يمكن التعامل معه خلال مرحلة الانتقال وصولاً إلى انتخابات حرة ونزيهة يختار من خلالها الشعب اليمني قيادته بإرادته الحرة.
إن اليمن اليوم لا يواجه مجرد أزمة سياسية، بل أزمة دستورية تتعلق بمصدر السلطة ذاته.
ولذلك فإن الحفاظ على استمرارية الدولة ووحدتها ومركزها الدستوري والقانوني المحلي والدولي يقتضي العودة إلى صلب النص الدستوري باعتباره المرجعية العليا للكافة ، وتمكين رئيس مجلس النواب سلطان البركاني من تولي مهام الرئاسة بصورة مؤقتة إلى حين انهاء الانقلاب الحوثي واستعادة المسار الديمقراطي وانتخاب رئيس جديد للجمهورية.
فالدساتير وُجدت لمعالجة الأزمات، واحترامها في اللحظات الاستثنائية هو الضمانة الحقيقية لبقاء الدولة وحماية شرعيتها واستقرارها.




