السبت، 30 مايو 2026 | الموافق ١٣ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ
الرأي

يوم تصبح الجغرافيا دليل إدانة.

الكاتب الحميدي ينتقد آلية القرارات العسكرية ويرى فيها تهديداً لكيان الدولة.

لم يعد الخطر في اليمن أن تكون مذنبًا، بل أن تكون من منطقة لا تعجب صاحب نفوذ، أو أن تحمل بطاقة شخصية تشير إلى مكان قرر البعض أن يحوله إلى لائحة اتهام جماعية.

ما جرى للشاب إبراهيم عيسى عبده هزاع القباطي، وما يتعرض له بشير المقطري العبادلي من ملاحقات ومضايقات، ليسا واقعتين منفصلتين، بل جرس إنذار يكشف مسارًا بالغ الخطورة؛ مسارًا يُستبدل فيه القانون بالمزاج، والعدالة بالتصنيف، والإنسان بهويته الجغرافية.

لقد أنتجت سنوات الحرب ثقافة قاتلة مفادها أن المواطن لم يعد يُحاسب على ما فعل، بل على المكان الذي جاء منه، وكأن اليمنيين أصبحوا شعوبًا متناحرة لا أبناء وطن واحد مزقته ظروف الحرب وفرضت عليهم سلطات متعددة لم يختاروها بإرادتهم.

جريمة إبراهيم وبشير في نظر البعض أنهما عاشا في صنعاء، لا أكثر.

أحدهما عاد إلى أهله ليشاركهم فرحة العيد فعاد جثمانًا، والآخر وجد نفسه مطاردًا بالشبهات والاتهامات.

وبين الدم والخوف تتكشف حقيقة موجعة؛ أن هناك من بات يحاكم الناس على أماكن إقامتهم لا على أفعالهم، وعلى التصورات المسبقة لا على الأدلة والحقائق.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي بلد ليس وجود السلاح، بل انهيار ميزان العدالة.
فالسلاح يقتل فردًا، أما الظلم المنظم فيقتل الثقة بين الناس، ويمزق المجتمع، ويزرع أحقادًا تمتد لأجيال.

ليس كل من عاش في صنعاء حوثيًا، كما أن كثيرًا ممن تولّوا مواقع قيادة في مناطق الشرعية ليسوا خارج دائرة التداخلات والولاءات المتشابكة التي فرضتها سنوات الحرب، حيث اختلطت فيها السلطة بالمصالح، والقرار بالاصطفافات، وتداخلت فيها خطوط الخصومة مع مسارات التنسيق في أكثر من مستوى.

الناس بقوا حيث فرضت عليهم الحرب البقاء، وتحركوا حيث أجبرتهم لقمة العيش والحاجة والأمان، في واقع لم يعد واضحًا فيه من يمثل الدولة ومن يتغذى على غيابها.

أما تحويل الجغرافيا إلى دليل إدانة، أو استخدام الانتماء المكاني كمعيار جاهز للاتهام أو التبرئة، فهو ليس مجرد خلل في الفهم، بل مؤشر على انهيار فكرة الدولة لصالح منطق العصبية والنفوذ، حيث يُستبدل القانون بالشبهة، والمؤسسات بالاجتهادات الفردية، والعدالة بالانطباع.

إن الوطن الذي يخاف فيه المواطن من العودة إلى قريته، أو زيارة أقاربه، أو المرور في طريق عام، وطن يسير نحو هاوية خطيرة مهما رفعت فيه الشعارات ومهما تعددت فيه نقاط التفتيش.

الدولة لا تُقاس بعدد المسلحين، بل بقدرتها على حماية الأبرياء.

والأمن لا يُقاس بكثرة الحواجز، بل بوجود العدالة.
والوطن لا يبقى موحدًا عندما يُعامل أبناؤه كملفات اشتباه متنقلة.

إن دم إبراهيم، ومعاناة بشير، وكل قصة مشابهة لم تصل إلى الإعلام، يجب أن تكون صرخة في وجه كل من يحاول تحويل اليمنيين إلى فئات متقابلة يتوارث أبناؤها الشك والكراهية.

القاتل يجب أن يُحاسب، والمظلوم يجب أن يُنصف، والمواطن يجب أن يبقى مواطنًا كامل الحقوق، لا متهمًا مؤجلًا حتى يثبت العكس.

رحم الله إبراهيم عيسى عبده هزاع القباطي، وحفظ الله كل بريء من سطوة التصنيفات العمياء، ومن العبث الذي يلتهم ما تبقى من معنى الوطن.