إذا كان الرئيس رشاد العليمي لا يمثل، في نظركم، مبادئ وأهداف ثورة 11 فبراير 2011م وما أفرزته من واقع جديد عنوانه "اليمن الاتحادي" بآفاقه العادلة، فماذا تظنون أنه يمثله إذًا؟!
العجب كل العجب من أولئك الذين نحسبهم في خندق المقاومة والتحرير واستعادة الدولة اليمنية المنقلَب عليها من المليشيات الحوثية، ثم لا تلبث أن تجدهم يصفون ثورة التغيير بأنها "فوضى"، وينتقدون الرئيس العليمي لأنه عيَّن وزيرةً تُحسَب على شباب الثورة ومؤتمر الحوار الوطني .
المفارقة أنهم يمارسون وصايةَ "حراس الهيكل القديم"، يتذرعون بالكفاءة وهم يقدحون في جوهر الشرعية التي يدّعون الدفاع عنها .
يا هؤلاء، أفيقوا ، فالرئيس العليمي لم يكن يومًا، ولن يكون، نسخةً مكررةً من النظام العسكري القبلي العائلي، الذي كان أحد الأسباب الكبرى في تثوير اليمنيين، شبابًا وشيوخًا ونساءً .
شرعيته لم تنبع من وراثة النظام القديم، ولم تأتِ إليه بإنقلاب مسلح ، وإنما هي مستمدة من تفويض الرئيس الإنتقالي الراحل المشير عبد ربه منصور هادي، رحمه الله، الذي غادر دنيانا منذ مدة وجيزة تاركًا لخلفه أمانة استكمال مسار الدولة المدنية الحديثة .
والذين يعتقدون أنهم أولى بالمناصب لمجرد أنهم كانوا قادةً أو وزراءً أو موالين لهذا أو ذاك ، فإنما يغفلون -أو يتغافلون- عن حقيقة جلية هي أن النظام الجديد ليس استنساخًا للماضي ، بقدر ما هو حامل لمضامين وطنية جامعة، صاغها اليمنيون بأنفسهم في مؤتمر الحوار الوطني، وتوافقوا عليها، قبل أن تنقلب عليها المليشيات الكهنوتية في ذلك اليوم المشؤوم، 21 سبتمبر 2014م.
إن اختزال الشرعية في شخوص وتجارب الماضي، خطأ استراتيجي قاتل ، فثورة 11 فبراير لم يكن هدفها إسقاط شخص بعينه ، بقدر ما هو بإسقاط هيكل كامل لمنظومة الحكم .
وعليه ، فتعيين رموز التغيير ليس ترفًا سياسيًا ، وإنما هو استحقاق سياسي ثوري وطني يُترجم جوهر هذه التضحية ، فمن أولويات العهد الجديد دولة اتحادية عادلة ، ومن لا يقبل بأن تُدار بأبناء مبادئها، يشبه من يأمل بحصاد جيد ، لكنه يأبى بذور الموسم الجديد .
إنهم يتعامون عن جوهر الأزمة اليمنية، وعن حقيقة أن المعركة اليوم ليست معركة تقاسم مغانم، وإنما معركة وجود واستعادة دولة، دولةٍ نقيض كل ما ساد أو رسب في أذهان الكثيرين .
اتفق مع ما ذهب إليه البعض من نقد موضوعي يشير إلى نقص خبرة أو مؤهل، أو أن المرحلة الراهنة حرجة وحساسة ، أما أن تكون إفراح عبد العزيز الزوبة محسوبة على ثورة 11 فبراير وعلى مؤتمر الحوار، فهذه في حد ذاتها شهادة إثبات لا نفي، ودليل دامغ على أن السلطة الشرعية تسير في المسار الصحيح .
إن وجودها في هذا الموقع الحساس هو إعلان مبدئي بأن الدولة القادمة دولة يتشارك بها الجميع ، لا حكرًا على الماضي ولا أسيرةً لإرثه الثقيل . فمهمة هذه السلطة في المحصلة تمثيلُ مسار التغيير، وإنفاذ المضامين التي توافق عليها اليمنيون وطنيًا والمسنودة إقليميًا ودوليًا، لا إعادة تدوير الوجوه ذاتها التي أوصلت البلاد إلى هذا المنزلق الكارثي .
الرهان على إقصاء الشباب بحجة نقص الخبرة، والتغاضي عن جرائم الماضي بحجة "الحنكة السياسية"، ليس سوى محاولة يائسة لإجهاض الجمهورية الثانية وهي في مهدها وقبل أن تبصر النور .
والمؤسف أن من ينتقد التعيين يحتفظ بأسماء وزراء يراهم أفضل من الوزيرة الآتية للخارجية، وهي لا تملك أي خبرة دبلوماسية ، مع أن الصدق وتمثل قيم التغيير أجدى وأنفع من المراوغات والانتهازية أو الشيخوخة الدبلوماسية التي أضرت باليمن واليمنيين .
وهنا أجد ذاتي أسأل عن الوزراء والسفراء الذين عُيِّنوا في عهد صالح أو خلفه هادي، فلا أعثر إلا على تعيينات بالمحسوبية والترضيات والقرابة، إلا من رحم ربي .
رأينا أطباء وشعراء ومدراء أمن وقادة في الجيش وأقارب وقد صاروا وزراء وسفراء، بين عشية وضحاها، ولكم أن تنظروا إلى ممثلي اليمن، بدءًا من الأمم المتحدة وهيئاتها، مرورًا بدول مجلس الأمن، وليس انتهاءً بدول أوروبا وإفريقيا وأمريكا وآسيا .
خلاصة الكلام.. الوزيرة ليست أول من يتولى منصبًا دبلوماسيًا، هو عرف وتقليد سائد من عهود سابقة، فلا داعي للقلق أو التباكي . ولو أن الأولين خضعوا لشروط الوظيفة، لكان ذلك، لكن جميعهم جاءوا بالقرابة والولاء السياسي الضيق ، ولا تدفعونا لحصر تلك الأسماء والمناصب ، لأنهم كثيرون وفي مختلف دول العالم .
المسألة الآن رهن بما تحققه الوزيرة في ظرفية تاريخية ومفصلية ، والمهم من وجهة نظري أن الوزيرة تمثل العهد الجديد الذي نروم إليه، وأن تكون عند حسن ظن اليمنيين، باعتبارها تحمل على كاهلها أحلام وتطلعات اليمنيين بالتغيير ، أن لم نقل انها الوجه الاخر الذي يجب أن يكون دالًا ومعبرًا عن الدولة اليمنية الجديدة .
ومن يظن أن اليمن الاتحادي مجرد شعار للاستهلاك، نقول له: إن هذه القافلة ماضية، بإذن الله، وعلى دعاة العهود السابقة شمالًا وجنوبًا إدراك هذه الحقيقة، لا سيما وأننا نرى أفعالهم وخطابهم مستمرًا في شيطنة الشرعية وقرارها ، وأكثر من ذلك ، فهناك من لا يطيق وجودها .
إن الدولة التي لم تتعظ من ماضيها ، لن تملك مستقبلها ؛ فإما أن نمتلك الجرأة لبناء دولة جديدة بأدوات جديدة، وإما أن نستسلم لدورة الموت البطيء حيث تتناسخ الأخطاء في أثواب مختلفة .
التعيين ليس مكافأة، بقدر ما هو تكليف في زمن الحرب والنار ، وسيُحكم على هذه التجربة بما ستحققه في ميدان استعادة الدولة ، لا في صالونات النخب التي أدارت ظهرها للثورة وهي تدير ظهرها الان للجمهورية ، وفي وقت حرج ما فتئت فيه تعاني مخاضات الولادة .
وعلى هؤلاء ألا يبقوا في الجبهة المناهضة لثورة التغيير، فاليمنيون بذلوا الغالي والنفيس، وتعرض وطنهم لكل هذا الخراب والدمار، ليس من بطر أو ترف، وانما من أجل غاية وطنية عادلة ، فمن لا يتعلم من دروس ما حدث منذ ثورة فبراير ، سيجد ذاته إزاء ألف تمرد وإنقلاب يمكنه هدم وتخريب كل ما بناه الأخيار والصادقين ، وبلا استثناء...





