الثلاثاء، 2 يونيو 2026 | الموافق ١٦ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ
الرأي

ملف تحقيق قضية افتهان وفن التغيب المتعمد

حرب معلنة من داخل قلب الشرعية

انتهيت الأن للمرة الرابعة من الاطلاع على ملف قائمة أدلة الإثبات التكميلية التي قدمتها النيابة الجزائية المتخصصة بتعز في قضية مقتل الدكتورة افتهان.

وحقيقة لم أجد أمامي ملف تحقيق يسعى لكشف الحقيقة بل وجدت وثيقة تجيد فن التغييب المتعمد أكثر من أي شيء آخر. الملف يتحدث بتفصيل ممل عن أطقم عسكرية ومناوشات في الأزقة ورسائل نصية بين متهمين صغار ومنشورات فيسبوك، لكنه يصمت صمت مقصود ومريب جدًا عن الدليل الذي هز اليمن قبل أقل من عام.

القاتل محمد صادق وقبل أن يقتل بيومين فقط، ظهر في فيديو اعترف فيه بأن محمد سعيد المخلافي هو من دفعه وحرضه على تنفيذ الجريمة ولم يكن هذا حديث أو رواية يرويها شاهد غائب.

بل كان اعتراف مسجل للقاتل وفحص فنيًا حينها من قبل خبراء تقنيين أثبتوا صحته وسلامته من أي تزييف أو تحريف أو اشتغال بالذكاء الاصطناعي، وعمليًا هذا الفيديو الموثق كان ينبغي أن يكون الصفحة الأولى في أي ملف تحقيق نزيه.

لكنه غيب تمامًا عن قائمة الأدلة وكأن النيابة الموقرة قررت أن ما لا يخدم روايتها الرسمية لا وجود له قانونًا، واستبدلت هذا الدليل الجوهري رغم صحته بشهادة سماعية لناطق إعلامي ينقل ما يقال له، وبمذكرة إدارية وثقت منع أتباع المتهم محمد سعيد للحملة الأمنية من دخول منزله وهو فعل يرقى قانونًا إلى حد إيواء مجرم وعرقلة لسير العدالة لكنها قيدت في ملف التحقيق بعبارة خلاف أمني، والسؤال الذي يفرض نفسه وبالبنط العريض إين الفيديو الذي يعترف به محمد صادق؟!

في الحقيقة لا يمكن قراءة هذا الملف بمعزل عن الخلاف القبلي والسياسي في تعز، فجوهر القضية يتجاوز الجريمة الفردية إلى صراع نفوذ تاريخي تقريباً.

فالمتهم محمد سعيد المحمي بنفوذ شقيقه حمود المخلافي ينتمي لبني نصر في حين يظهر المتهم الآخر والمتورط في وقائع المطاردة بكر سرحان المنتمي لعائلة بني أحمد، وبالنظر إلى ميزان القوى بالمحافظة اليوم سنكتشف بأن بني نصر (جناح حمود سعيد) يتمتعوا حاليًا بنفوذ عسكري وسياسي وتنظيمي طاغي يطغى على أي اعتبار وحضور مؤسسي.

وبالمقابل ضعف غير مسبوق لبني أحمد (جناح صادق سرحان)، وبالنظر إلى تأثير حمود المخلافي الواضح والجارح على مسار التحقيقات وإفلات شقيقه من الملاحقة وإعلان براءته رغم وجود اعترافات صريحة بالتحريض المباشر بالقتل ولحقها اخفاء القاتل لمدة أسبوعين يضعنا أمام فرضية خطيرة لا يمكن تجاهلها.

فهل تستخدم الحملة الأمنية وذريعة بسط القانون اليوم كمجرد ستار لتصفية حسابات قبلية قديمة بين العائلتين؟ وللتأثير المباشر على مسار التحقيقات الذي ركز بشكل واضح على ضمان إفلات محمد سعيد من أي ملاحقة وتقديم بكر سرحان ككبش فدا؟!