الخميس، 11 يونيو 2026 | الموافق ٢٥ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ
الرأي

كهرياء عدن تحت المجهر تشريح أزمه لاتنتهي

الحوثيون واستدعاء الحرب: من جلب القصف إلى التنكر له"

الحديث عن ملف الكهرباء في عدن والمحافظات المحررة، في الوعي الشعبي السائد، غالبًا ما يقع في فخ التبسيط المُخل، حيث تُختزل المشكلة بأكملها في كفاءة الحكومة الحالية، أو في توفر شحنة وقود من عدمها. لكن تشريح الأزمة بموضوعية يكشف أننا أمام معضلة بنيوية مزمنة أعمق بكثير من مجرد أداء سياسي عابر أو شحّة في الوقود. ومن أجل فهم هذه المشكلة البنيوية، حاولت تفكيكها إلى ثلاثة أبعاد رئيسية على النحو التالي:

أولًا: إن الجذر الحقيقي لأزمة الكهرباء في عدن لا يتعلق بكفاءة حكومة الزنداني، وليست أزمة وقود بقدر ما هي أزمة قدرة إنتاجية. فالمحطات الحالية، كالحسوة والمنصورة، انتهى عمرها الافتراضي، وتراجعت كفاءتها إلى أقل من 30%.

في هذه الحالة، حتى لو توفر الوقود بكميات غير محدودة، فإن المحطات تعاني من تآكل فني وعمر افتراضي منتهٍ، ما يجعلها عاجزة عن تغطية الحد الأدنى من الطلب المتزايد. وهنا يكمن غياب البنية التحتية الاستراتيجية للتوليد والتوزيع، وهي معضلة تراكمت عبر عقود طويلة.

أما البعد الثاني، فهو معادلة تغيير هذا الواقع؛ إذ إن بناء محطة جديدة يحتاج إلى نحو خمسمائة مليون دولار، وإلى أربع سنوات تقريبًا لإنجازها، في حين تخسر شبكات النقل نحو 40% من الطاقة أثناء التوزيع. وبدون عملة مستقرة، لا يوجد مستثمر يغامر بضخ أمواله في قطاع الكهرباء.

إن إحداث تحول حقيقي في قطاع الطاقة ليس عملية سريعة، بل يتطلب ميزانيات ضخمة بالعملة الصعبة لبناء محطات حديثة، وإعادة تأهيل شبكات النقل المتهالكة التي تبتلع نسبة كبيرة من الطاقة كفواقد فنية. وهذه المشاريع تحتاج إلى سنوات من العمل وتدفقات مالية مستقرة، وهو ما تفتقر إليه حكومة سالم بن بريك حالياً.

إضافة إلى ذلك، هناك معادلة المصالح؛ إذ توجد أطراف تربح من الظلام، كتجار الطاقة المستأجرة، وشبكات الفساد داخل مؤسسة الكهرباء، وأطراف سياسية تستخدم الانطفاءات كورقة ضغط.

أما البعد الثالث، فهو واقع الإدارة الذي يشبه العمل في حقل ألغام؛ فالحكومة الحالية تتعامل مع هذا الملف في ظل اقتصاد هش للغاية، ومؤسسات تعاني من ضعف تراكمي وضغوط تفوق طاقتها، بالإضافة إلى بيئة معقدة يشوبها فساد منظم يستفيد من بقاء الوضع كما هو، كتجارة الطاقة المستأجرة، فضلًا عن التوظيف السياسي المغرض للأزمة من قبل أطراف عدة لتأجيج الشارع.

والخلاصة أن الحكومة الحالية تواجه إرثًا ثقيلًا، وتعمل وفق المتاح والممكن لإدارة الأزمة لا لحلها جذريًا، لأن الحل الجذري يحتاج إلى استقرار سياسي واقتصادي يسمح بضخ استثمارات ضخمة وطويلة الأجل.

أما تحميل الإدارة الحالية المسؤولية الكاملة عن أزمة هيكلية عمرها عقود، فهو تشخيص قاصر أو مغرض يتجاهل تعقيدات الواقع. فالكهرباء في عدن لن تُحل إلا بإصلاحات اقتصادية وبنيوية عميقة، تحتاج إلى الوقت والمال والبيئة المستقرة. :::