الجمعة، 19 يونيو 2026 | الموافق ٢ محرم ١٤٤٨ هـ
الرأي

عندما يصبح الإقصاء دفاعاً عن المبادئ

تشريح لبنية ذهنية مغلقة
خلاصة سريعة خلاصة سريعة

الأيديولوجيات لا تجند الأتباع عبر الحقائق بقدر ما تجندهم عبر الهويات. إنها لا تقول للفرد : هذا هو الواقع. لكنها تقول له: هذا هو أنت. وما إن تندمج الفكرة بالهوية حتى يصبح نقدها أشبه باعتداء شخصي عليه .

لا تكاد الفلسفة السياسية وعلم الاجتماع وتاريخ الأيديولوجيات ،تخلو من دراسة إحدى أكثر الظواهر إثارة للاشمئزاز المعرفي : تكنولوجيا الاستحمار السياسي .

لا تقوم أعظم عمليات الاستحمار السياسي على الكذب الفج ، ولا على القمع، ولا حتى على شراء الذمم بالمصالح الرخيصة. هذه أدوات بدائية تصلح للمراحل المتأخرة فقط. أما في بداياتها ، فإن تكنولوجيا الاستحمار السياسي تعمل بطريقة أكثر رهافة وأشد خطراً : إنها تبدأ من الفضيلة نفسها .

فالإنسان لا يُستقطب عادة لأنه شرير ، بل لأنه يريد أن يكون أفضل. لا يُقاد لأنه منحط أخلاقياً بالضرورة. يُقاد لأنه يتوق إلى الشعور بأنه أكثر عدالة ووعياً وإنسانية من الآخرين. وهنا تحديداً تكمن العبقرية السوداء للأيديولوجيات .

إنها لا تعرض عليك مشروعها الحقيقي أولاً. لا تقول لك : تعال وساعدنا على تبرير شيء هنا أو إدانة شيء هناك. ولا تقول : تعال وساهم في إنتاج كراهية جديدة أو عصبية جديدة أو شكل جديد من أشكال الهيمنة. لكنها تمنحك شيئاً أكثر إغراءً : تمنحك صورة أجمل عن نفسك .

تجعلك تشعر أنك لست واحداً من الجمهور العادي. أنك أكثر حساسية تجاه الظلم. أكثر انتصاراً للمقهورين. أكثر شرفاً من الانتهازيين. وأكثر وعياً من الساذجين الذين لم يكتشفوا الحقيقة بعد .

وهكذا لا يقع الإنسان في حب الفكرة أولاً، بل يقع في حب النسخة التي أصبح يراها عن نفسه من خلال الفكرة . هذه هي البوابة الكبرى. وهذا هو الكمين الأخلاقي.

فالأيديولوجيات لا تجند الأتباع عبر الحقائق بقدر ما تجندهم عبر الهويات. إنها لا تقول للفرد : هذا هو الواقع. لكنها تقول له: هذا هو أنت. وما إن تندمج الفكرة بالهوية حتى يصبح نقدها أشبه باعتداء شخصي عليه .

لقد لاحظ غوستاف لوبون منذ وقت مبكر أن الأغبياء لا يُقادون بالبرهان العقلي كما يُقاد الأفراد الأكثر ذكاء، لكنهم بالصور والانفعالات والإيحاءات. فالعقل حين يذوب داخل شعور جماعي يفقد كثيراً من قدرته على الشك والمراجعة. وما دامت الأيديولوجيا قادرة على إشباع الحاجة النفسية إلى المعنى والانتماء والتفوق الأخلاقي، فإنها لا تحتاج إلى أدلة كثيرة .

بعد ذلك تبدأ مرحلة ثانية؛ العزل المعرفي. ليس بالضرورة عبر المنع المباشر، بل عبر صناعة الارتياب. يصبح كل مصدر مخالف مشبوهاً. وكل رواية أخرى مضللة. وكل نقد صادر من الخارج دليلاً على سوء النية لا على احتمال الصحة. وهكذا يجد الإنسان نفسه داخل عالم مغلق لا يسمع فيه إلا الأصوات التي تؤكد ما يؤمن به مسبقاً.

ثم تأتي اللغة. وقد تكون اللغة أخطر أسلحة الاستحمار السياسي على الإطلاق. فالإنسان لا يفكر خارج الكلمات. وما دامت الكلمات قد أُعيد تشكيلها ، فإن الواقع نفسه سيُعاد تشكيله داخل وعيه .

يصبح الإقصاء دفاعاً عن المبادئ. ويصبح التعصب ثباتاً على الموقف. ويصبح التبرير حكمة سياسية . ويصبح الصمت عن الأخطاء وعياً بالظروف. ويصبح الانحياز الأعمى وفاء للقضية.
شيئاً فشيئاً لا يعود الإنسان يرى الأشياء كما هي ، بل كما تسمح له مفرداته الجديدة أن يراها .

وكان جورج أورويل يدرك هذه الحقيقة بعمق حين ربط بين إفساد اللغة وإفساد الوعي ؛ فحين تفقد الكلمات معانيها الدقيقة، يفقد العقل أدواته في التمييز بين الحقيقة والزيف .

لكن أخطر مراحل الاستحمار السياسي لا تتمثل في خداع الإنسان، بل في جعله يستثمر جزءاً من ذاته داخل الخديعة. سنوات من الحماس. سنوات من الدفاع. سنوات من الخصومات. سنوات من بناء الهوية الشخصية حول فكرة ما. عندها يصبح التراجع مؤلماً. لا لأن الأدلة غير كافية. بل لأن الاعتراف بالحقيقة يهدد صورة الإنسان عن نفسه. ولهذا قال مارك توين عبارته الشهيرة : من الأسهل أن تخدع الناس ، من أن تقنعهم بأنهم قد خُدعوا. فالمشكلة لا تكون في الكذبة نفسها، بل في الثمن النفسي للاعتراف بها .

وحين يصل الأمر إلى هذه المرحلة، لا يعود الفرد يدافع عن الفكرة لأنها صحيحة ، بل لأنه بنى جزءاً من كرامته النفسية عليها . ومن هنا تنشأ واحدة من أكثر المفارقات إثارة للأسى في التاريخ السياسي : كثير من الناس يدخلون إلى المشاريع الأيديولوجية بدافع أخلاقي صادق ، ثم يجدون أنفسهم لاحقاً يدافعون عن ممارسات تناقض تماماً ذلك الدافع الذي جاء بهم .

دخلوا بحثاً عن الحرية ودفاعاً عن العدالة ، فأصبحوا يبررون القمع. ويصمتون عن الظلم. دخلوا رفضاً لعبادة الأشخاص ، فأصبحوا أسرى لها.

ولأن الإنسان يميل بطبيعته إلى حماية صورته الذاتية، فإنه يجد ألف مبرر للاستمرار، لكنه يجد صعوبة هائلة في قول جملة واحدة : لقد كنت مخطئاً .

إن تكنولوجيا الاستحمار السياسي لا تقوم في جوهرها على إلغاء عقل الإنسان، بل على استئجاره. لا تصادر منه قدرته على التفكير بالكامل ، بل تدفعه إلى استخدامها في اتجاه واحد فقط : الدفاع عما يريد تصديقه .

ولهذا فإن أخطر ما تنتجه هذا اليقين الغبي . ذلك النوع من اليقين الذي لا يولد من المعرفة ، بل من الحاجة النفسية إلى الشعور بالنبل والانتماء والتفوق الأخلاقي .

فالإنسان لا يصبح أسيراً للفكرة حين يقتنع بها فقط. لكنه يصبح أسيراً لها حقاً حين يبدأ باستمداد قيمته الشخصية منها.