في زمننا هذا الغريب والسريع الذي تتحكم به السويشيال ميديا وسرعة صناعة الحدث وسرعة انتشارها عبر النت محلياً وعالمياً ، لم تعد الشهرة والتهريج وصناعة التفاهة حكراً او موهبة على اولئك المهرجون بل اصبحت وسيلة لكل المؤثرين بمجتمعنا ممن يمتهنون السياسية والدين وممن عليهم مسؤولية تجاه مجتمعهم وأمتهم لصناعة محتوى لإشغال الناس به ولفت الانتباه والأنظار اليهم في حين ان هولاء في الحقيقية لا يمتلكون موهبة فريدة او يستطيعون ان يبذلون جهداً كافياً في سبيل العلم وادارة الشأن العام وخدمة المجتمع .
بل اصبحت ظاهرة غريبة واصبح ما يقدمونه اشبه ما تكون ب"فقاعة" سريعة الزوال يصنعها من يطلق على انفسهم صانعي التفاهة السياسية، من خلال صناعة المشاهد والمحتويات الزائفة ، فقد قيل قديماً ان الحاكم كالنهر العظيم تستمد منه الأنهار الصغار، فإن كان عذب عذبت، وإن كان مالحاً ملحت.
في هذا الزمن وفي هذه اللحظة التاريخية الحرجة، الذي تتشابك فيه الجغرافيا المحلية والاقليمية والدولية بالتحالفات والمصالح، يبرز نمط محلي سيء يختزل التحديات والهموم والمصائب التي ابتليت بها مجتمعاتنا بالتعقيد وصناعة قصص مغلقة، يستبدل فيها الفهم بالتهريج.
وصناعة أحداث ومسرحيات الهدف من ورائها هو هروب من مسؤولية الفهم ومواجهة التحديات المجتمعية والأمنية والاقتصادية التي تسبب بها ثلة من رجال السياسة الذين لا يجيدون الحسابات والعواقب السياسية بل تفريغ السياسة من مادتها الأخلاقية والإنسانية.
يذهب معظم المتخصصين في عالم السياسة الواقعي من ان الكذب وممارسة الدجل باسم الدين، اصبح وسيلة ورديفاً للسلطة ، وكأنك لا يمكن ان تقود او تسوس المجتمع، إن لم تكذب على رعيتك وتضللهم لكي تسيطر على الأمور وتستمر في البقاء في السلطة ، وتتهرب من الالتزامات الضرورية وخلق المسوغات الواهية لهولاء السياسين .
أي بما يسمح بالكذب وقلب الحقائق ، حتى أصبح هولاء المغامرون السياسيين يعتبرون ذلك فن وفلسفة ، أي ان تكذب كذبة مقنعة على قومك و من هم تحت امرتك الذين ينتظرون منك القليل من الخير , فياترى هل هو قدر السياسيين و السياسة ان تبقى ساحة للكذب والدجل والزيف ، وهل ضيعنا قيم الاخلاق و الصدق والمصارحة فيما بيننا وفي تعاملاتنا.
هل حقاً ان كل السياسيين كانوا وما زالوا يكذبون علينا وبطرق متعددة ومقبولة, فهل تُعَدُّ علاقة الكذب بالأسطورة على أنها علاقة ذات إشكالية وغامضة؛ وهو غموض نابع من غموض من يتوهمون بانهم أسطورة ام لذلك علاقة بمفهوم صنع الأسطورة نفسه ¡
ام أن ذلك المفهوم يتداخل مع الظواهر الدينية والثقافية ، والطقوس الاجتماعية والوطنية، وهذا ينسجم مع مقولة الفيلسوف سقراط الشهيرة ان الدولة تشبه أبناءها، فلا نطمع بترقية الدولة إلا بترقية أبنائها.
فهل اصبحت التفاهة صناعة يتقنها الحاكم ويمسك بخيوط تلك اللعبة ! وهل اصبحت صغار وسفاسف الأشياء تستحق ان يجري خلفها الجميع حتى تصبح شأن عام وقضية رأي عام ينشغل به كل افراد المجتمع واعلى هرم في سلطاتنا الحالية التي لم تعد تنظم أولويات واجباتها ومسؤولياتها التي طغت على مصالحها الشخصية والاستثمارية.
حتى أنهم يستثمرون التفاهة وأصبح التهريج ديدنهم ومقصدهم الاول حتى يستدعي منهم التدخل والتصريح والإشراف المباشر والظهور، وكانهم يبحثون عن الشهرة فقط ويحولون الأمور البسيطة إلى حدث استثنائي ، وهذا في الحقيقة يكشف كم هؤلاء المسؤولين اليوم اقزام وبعيدين عن قضايا الناس وهمومهم المصيرية والتحديات الحقيقية.
كل شيئ يحدث تجده لا يمثل واقع اصلاح لهذا البلد، بقدر ما هو زيادة في رسم خريطة قتل عبث ونهب مستمر ، لكننا لا نتصور أن ما يجري يبرهن أننا نسير في الطريق الصحيح ، أو أن هناك تغيرات يجري الاعداد لها، لانه في اسوأ الاحوال يجب أن تملك هذه السلطة وفروعها خطط حقيقية لاظهار التزامها بالعمل من أجل شعب ،يناله بلاء السياسة وفساد السياسيين.
كل شيئ ليس له مقابل في هذا البلد ، غير تحميل الناس والمجتمع عقدة السياسيين واخطائهم ، ففي عمق بنيان هذه السلطة، ستجد أن هناك من يرى لليمنيين الذين يخضعون لحكم ملوك الطوائف، غير أن يعانوا وتتشكل لديهم عقد الوضع السياسي والاجتماعي، فيما تنتج الحرب اثرياء وتجار حرب واصحاب خمس إلى جانب ناهبين الموارد وأملاك المواطنين.
في الواقع الحرب كانت ولا زالت ثقيلة على اليمنيين، وهي فرضت سلوك وحشي حتى في مناطق النفط والثروة ، فهناك ما يشبه خلق عبودية للبلد وأهلها، وتسخيرها من أجل فرض واقع جديد وبسياسة جديدة، يضطهد ابناء تلك المناطق ليكونوا غرباء عن محافظاتهم وثرواتهم، وخارج صناعة القرار والمصير القادم مقابل خطط الاستيطان السياسي.





