متحدثون من اللجنة الخاصة السعودية وأصوات قريبة من دوائر صنع القرار يكرّرون خطابًا استعلائيًا تجاه اليمن واليمنيين، يتعامل مع اليمن كملف تابع لا كدولة ذات تاريخ وسيادة وحضارة. والأخطر أن هذا الخطاب لا يكتفي بالإهانة السياسية، بل يذهب إلى ترويج مغالطات تاريخية تمس هوية اليمنيين وذاكرتهم ومكانة اليمن في الجزيرة العربية. هذه ليست حالة فردية أو واقعة عابرة، بل نمط يتكرر بصورة ممنهجة عبر فترة طويلة.
السعودية بلد قانون، ولا تُدار مساحاته الإعلامية والسياسية بشكل عشوائي، خاصة الفضاءات القريبة من اللجنة الخاصة ودوائر صنع القرار. ورغم الانفتاح النسبي الذي شهدته المملكة في السنوات الأخيرة، إلا أنها لا تزال بعيدة عن النموذج الديمقراطي القائم على حرية الرأي والتعبير. وهذا يجعل من الصعب تصديق أن خطابًا يتكرر بهذا الزخم والاستمرارية حول اليمن - أرضًا وشعبًا وثروة - يمر دون علم أو رضا ضمني من القيادة السعودية.
من يفتح هذه المنابر لمن يحتقر اليمن؟ ومن المستفيد من صناعة خطاب يضرب ثقة اليمني بتاريخه وكرامته، ثم يطلب منه الصمت؟
الأشد دلالة أن هذا الخطاب لم يعد يكتفي بإهانة اليمنيين وتحويلهم إلى مادة للسخرية والتحقير، بل وصل إلى مستوى لا يحترم حتى الحكومة اليمنية الشرعية الموجودة تحت رعاية السعودية وإقامتها السياسية. وهذا يطرح سؤالًا أخلاقيًا وبروتوكوليًا قبل أن يكون سياسيًا: كيف يُقبل أن تُهان دولة وحكومتها وشعبها من داخل فضاءات محسوبة على السعودية، وهي الدولة التي تقول إنها تستضيف هذه الشرعية وتحميها وتدعمها؟
وإذا كان انتهاك البروتوكولات السياسية واضحًا في هذا السلوك، فإن التناقض الأعمق أنه يصطدم حتى بأعراف العرب والقبائل: من استجار بك لا يُهان في مجلسك، ومن احتمى ببيتك لا يُترك مادة للسخرية على منابرك. فكيف تصبح الشرعية التي ترفع السعودية شعار دعمها مدخلًا لاستباحة اليمن، بلدًا وشعبًا وتاريخًا، بينما تُرفع في العلن شعارات الدعم والشرعية والتحالف؟
ليست المشكلة في شتيمة عابرة يمكن تجاوزها، بل في خطاب يتكرر ويُعاد إنتاجه عبر منابر متعددة، بصورة تجعل من الإهانة ممارسة طبيعية ومقبولة، ويسعى إلى إعادة تشكيل صورة اليمن في الوعي العام بوصفه بلدًا هامشيًا أو تابعًا، لا أصلًا حضاريًا وسياسيًا عميقًا في الجزيرة العربية.
هذه ليست حرية رأي، بل إساءة سياسية منظمة. وهي ليست خلافًا بين شعوب، بل تعبير عن عقلية وصاية ترى اليمن ساحة نفوذ وملكية خاصة، وترى اليمنيين أدوات لا شعبًا صاحب حق وقرار.
في ظل غياب موقف يمني رسمي مستقل، على اليمنيين أن يحوّلوا هذا الخطاب إلى ملف رصد وتوثيق ومساءلة شعبية وإعلامية، وأن تتبنى جهات مهنية مختصة - كنقابات الصحفيين والمراصد الإعلامية اليمنية والعربية - توثيق هذه المنابر ومتابعتها بشكل ممنهج. المطلوب ليس ردًا انفعاليًا عابرًا، بل كشف منابر الإهانة، وتوثيق المغالطات التاريخية، وفضح الأصوات التي تحاول تحويل احتقار اليمنيين إلى ممارسة سياسية وإعلامية طبيعية.
كرامة اليمنيين ليست قابلة للمساومة. وتاريخ اليمن ليس مادة للتزوير أو السخرية. واليمن ليس ملفًا تابعًا في يد السعودية أو غيرها، بل بلد صاحب حضارة وسيادة وذاكرة وحق في تقرير مصيره.
الإهانة يجب أن تُسمّى إهانة، والوصاية يجب أن تُسمّى وصاية، وتزوير التاريخ يجب أن يُواجَه باعتباره استهدافًا مباشرًا للوعي والهوية والكرامة الوطنية.





