يصبح الرجل شريفا حين تمنحه المعاناة كل عذر ليسقط، ومع ذلك يختار أن يقف. وتصبح قيمة الإنسان أكثر وضوحا حين لا يكون وقوفه من أجل مصلحة تخصه، ولا بحثا عن تصفيق أو مجد، بل دفاعا عمن أرهقهم الظلم ولم يعد بمقدورهم الدفاع عن أنفسهم..
لكن المفارقة المؤلمة أن الذين يهبون حياتهم لمقاومة القهر لا يجدون دائما في المقهورين حلفاء. كثيرا ما يحدث العكس: تحاصر السلطةُ المظلوم بالخوف، ثم تجعل منه أداة في رميه بالحجارة من يحاول الانتصار له..
وهنا تبلغ المأساة ذروتها: أن يتحول الضحية، من شدة الخوف أو اليأس أو التضليل، إلى خصمٍ لمن جاء لينصره..
وليس التاريخ بعيدا عن هذه الصورة. فقصة الحلاج، ذلك المتصوف الذي اصطدم في زمانه بالسلطة والتأويلات السائدة، تعد واحدة من أكثر صور المأساة الإنسانية قسوة. فقد انتهى الأمر بإعدامه بعد محاكمة سياسية ودينية معقدة، تروي الروايات أن العامة شاركوا في أذيته وتحولوا إلى أداة في تنفيذ ذلك الحكم..
إن أخطر ما تفعله السلطة المستبدة ليس أن تقمع الناس، بل أن تجعل الشريف متهما لأنه حاول أن يكون شريفا..
يقول للمقهور: لست وحدك، فينظر إليه المقهور بعين الريبة. ويقول للضعيف: من حقك أن ترفع رأسك، فيقال له: لا تفتح علينا أبواب المتاعب. يقف في وجه الظلم، فيصبح هو المشكلة، بينما يتوارى الظالم خلف الخوف العام..
عندها يكون المقهور قد أصبح حارسا للقيود التي تكبله، ويصبح المدافع عنه شخصا مزعجا ينبغي التخلص منه. وفي هذه اللحظة تحديدا ، لا تعود السلطة وحدها هي التي تحرس بقاءها، يصبح الخوف نفسه حارسا لها، ويصبح الناس ــ من حيث لا يريدون ــ جنودا في جيش استمرارها!.
ولذلك فإن الشرف الحقيقي ليس في أن تكون محبوبا دائما، ولا في أن يصفق لك الذين تدافع عنهم. أحيانا يكون امتحان الشرف أن تدافع عن إنسان يسيء فهمك، وأن تقف إلى جانب قضيةٍ قد يخذلك أصحابها، وأن تتحمل الأذى من الذين كنت تظن أنهم سيكونون أول من يفهم موقفك..
فالذي يبحث عن التصفيق قد يتراجع عندما يبدأ الجمهور برمي الحجارة. أما الذي يحمل مبدأ حقيقيا، فإنه يعرف أن قيمة الموقف لا تقاس بعدد الواقفين حوله، وإنما بما إذا كان قادرا على الوقوف حين يصبح الوقوف مكلفا..
إن الشرفاء لا يحتاجون إلى أن يكونوا معصومين من الخطأ، ولا إلى أن نضعهم في مرتبة القديسين. يكفي أن نرى الفرق بين من يملك القوة ويستخدمها لسحق الضعفاء، وبين من يملك الشجاعة ويستخدمها لحماية من لا يملكون القوة!.
وربما كان السؤال الأهم الذي ينبغي أن نسأله لأنفسنا كلما رأينا شخصا يقف في وجه الظلم: من المستفيد من الحجارة التي نرميها؟ فقد نكتشف، بعد فوات الأوان، أننا لم نكن نحمي أنفسنا من ذلك الرجل الذي وقف أمامنا، بل كنا نحمي السلطة التي أخافتنا منه..
والشريف، في نهاية الأمر، ليس من لم يسقط قط، بل من كان يستطيع أن يسقط ويجد ألف عذر، ثم اختار رغم ذلك أن يقف. وربما كانت أقسى لحظات شرفه تلك التي يقف فيها وحيدا، فيما تتجه إليه الحجارة من كل جانب، بينما يبتسم الفاسد في الظل لأنه أدرك أن الذين كان يخشاهم صاروا، دون أن يشعروا، يساعدونه على البقاء..





