الجمعة، 14 أغسطس 2026 | الموافق ٢٩ صفر ١٤٤٨ هـ
الرأي

الوطن الذي تأخر أبناؤه عن إنقاذه.

إيران... حين عاد الرماد إلى مُشعل النار .

ليس أقسى على وطنٍ من أن يصل إلى حافة الخطر، ثم يكتشف أن أبناءه كانوا يعرفون الطريق إلى النجاة، لكنهم تأخروا في سلوكه.

واليمن لم يصل إلى ما وصل إليه في يومٍ واحد، ولم توقظ الحرب صباحًا فتقرر أن تطرق أبوابه. سنوات طويلة من الأخطاء، والانقسامات، والصراعات، والحسابات الضيقة، صنعت هذا المشهد الذي نراه اليوم.

لكن المشكلة الأكبر ليست في ما حدث فقط، بل في ما نفعله بعد أن عرفنا الحقيقة، واليمن اليوم لا يحتاج إلى من يشرح له حجم الكارثة، الناس يعرفونها جيدًا. يعرفها الجندي الذي يقف في الجبهة، ويعرفها المواطن الذي يبحث عن راتبه، ويعرفها الأب الذي يعجز عن توفير احتياجات أسرته.

ويعرفها الطبيب الذي يعمل وسط إمكانات محدودة، ويعرفها الشاب الذي يرى سنوات عمره تمضي وهو لا يعرف إلى أين يتجه وطنه، الجميع يعرف أن اليمن ينزف.

لكن السؤال: لماذا تأخرنا في إنقاذه؟

لقد أضعنا وقتًا طويلًا في البحث عن انتصار الحزب على الوطن، وانتصار المنطقة على المنطقة، وانتصار الجماعة على الدولة، بينما كان الوطن نفسه يخسر كل يوم.

وحين يتأخر الوطن في العودة إلى مشروع الدولة، يصبح الفراغ هو المستفيد الأول، ومن أخطر ما حدث للوطن أن بعض أبنائه اعتادوا على الأزمة حتى أصبحت الأزمة جزءًا من الحياة اليومية. وهنا تكمن الكارثة.

ولذلك نحن بحاجة إلى إرادة سياسية تعرف أن الدولة، وأن السلطة ليست ملكًا لفئة، وأن الجيش ليس ملكًا لحزب، وأن مؤسسات الدولة لا تُبنى بمنطق الولاء الشخصي.

يحتاج اليمن إلى مشروع يعيد الاعتبار لفكرة الدولة، ويجمع السلاح تحت مؤسساتها، ويوحد القرار، ويحمي المواطن، ويعيد بناء الاقتصاد والخدمات، ويمنح الشباب مكانهم الحقيقي في صناعة المستقبل.

والأهم من ذلك كله، يحتاج إلى أن يتوقف أبناؤه عن انتظار الآخر ليبدأ، كل طرف ينتظر الطرف الآخر، السياسي ينتظر العسكري، والعسكري ينتظر القرار السياسي، والمواطن ينتظر الدولة، والدولة تنتظر الظروف المناسبة.

وهكذا تمر السنوات، بينما يمر العمر من بين أيدينا. لقد تأخرنا كثيرًا، نعم، لكن التأخر لا يعني أن الطريق انتهى.

ما زالت هناك فرصة لأن يستعيد اليمن عافيته، إذا امتلك أبناؤه شجاعة الاعتراف بالأخطاء، وشجاعة تجاوز الحسابات الصغيرة، وشجاعة الاتفاق على أن الخلاف السياسي لا يجب أن يتحول إلى خصومة مع الوطن.

ليس المطلوب أن يصبح اليمنيون نسخة واحدة من بعضهم. المطلوب أن يتفقوا على شيء واحد: أن اليمن أكبر من كل شيء. أكبر من الحزب، وأكبر من الجماعة، وأكبر من الزعيم، وأكبر من المنطقة، وأكبر من كل الحسابات التي جعلت الوطن يدفع ثمن صراعات لا تنتهي.

أما الحوثي، فقد أثبتت السنوات أن مشروعه المسلح لا يمكن أن يكون بديلًا عن الدولة، وأن تحويل اليمن إلى ساحة لصراع القوة لن يصنع مستقبلًا لليمنيين. ولذلك فإن مواجهة مشروع السلاح خارج الدولة ليست معركة فئة ضد فئة، بل معركة استعادة الدولة من كل من صادر قرارها وأضعف مؤسساتها.

لكن مواجهة الحوثي لا تعني أن نتجاهل أخطاء الآخرين. فإنقاذ اليمن لا يكون بإسقاط طرف ثم إعادة إنتاج الأخطاء نفسها بأسماء جديدة، نريد دولة لا تنتقم، بل تحكم.

دولة لا تفرق بين أبنائها، بل تحميهم، دولة لا تجعل المواطن يبحث عن حقه بين مكاتب المتنفذين، بل يجد حقه في مؤسسة يحكمها القانون، هذه هي المعركة الحقيقية.

معركة استعادة معنى الوطن. لقد تأخر أبناؤه كثيرًا، وربما دفعوا ثمن هذا التأخير دمًا ومالًا وأعمارًا، فإما أن نستفيد من سنوات الألم، ونحوّلها إلى درس يؤسس لدولة أقوى، أو نكرر الأخطاء نفسها ونترك للأجيال القادمة وطنًا أكثر انقسامًا وأقل قدرة على النهوض.

لذلك يجب إنقاذ هذا الوطن، فالوطن الذي تأخر أبناؤه عن إنقاذه، ما زال ينتظرهم، وينتظر منهم هذه المرة ألا يتأخروا.