في زوايا العاصمة صنعاء المظلمة وبين أزقة المدن الخاضعة لسيطرة الجماعة تتصاعد في الأسابيع الأخيرة أصوات لم تعد تحتمل الصمت، أصوات مواطنين خرجوا بكاميرات هواتفهم الرخيصة ليوثقوا ما عجزت التقارير الدولية عن وصفه، جوع يعصر البطون وعطش يشقق الحلق وانقطاع تام للمرتبات ترك أكثر من مليون ومائتين وخمسين ألف موظف حكومي وأسرهم التي تقدر بنحو سبعة ملايين نسمة، منهم أكثر من ثلاثة ملايين طفل يواجهون مصيرهم بلا سند ولا رجاء.
هؤلاء المواطنين الذين حرموا من أبسط حقوقهم في العيش الكريم لم يجدوا من يسمع صراخهم إلا أذن صماء تطل عليهم من شاشات التلفاز الرسمي لتقول لهم على لسان القائم بأعمال رئيس حكومة الجماعة محمد مفتاح: اخرجوا اشتغلوا بلاش، ووفروا قيمة باقات الإنترنت، في رسالة تعكس حجم الانفصال التام بين سلطة تنعم بخيرات البلاد وشعب يرزح تحت وطأة مجاعة مفتعلة.
هذه الصرخات اليائسة لم تأتي من فراغ بل هي النتيجة الطبيعية لمنظومة اقتصادية كاملة الأوصاف بنيت على أنقاض الدولة اليمنية وتحولت فيها مؤسساتها السيادية إلى إمبراطورية مالية ضخمة تدر على الجماعة ما لا يقل عن ستة مليارات دولار سنويًا وفقًا لتقديرات منظمات محلية ودولية، بينما تذهب هذه الأموال كلها لتمويل المجهود الحربي وإثراء الصفوة الحاكمة تاركة المواطن يواجه الموت جوعًا وعطشًا.
ولفهم حجم هذه الإمبراطورية، لا بد من الوقوف عند أول أركانها: شبكة الجبايات الداخلية، التي لم تعرف اليمن في تاريخها الحديث مثيلاً لها، فقد كشفت دراسة حديثة صادرة عن مركز المخا للدراسات أن الجماعة أنشأت بحلول عام 2024 أكثر من مائتين وعشرين نقطة جمركية داخلية، منتشرة عبر ما لا يقل عن عشر محافظات في تحول خطير جعلت من كل شارع رئيسي ومنعطف جبلي ومنفذ بري نقطة لابتزاز التجار والمواطنين على حد سواء، وهذه النقاط وحدها تجني سنويًا ما يزيد عن مائة وعشرين مليار ريال يمني، تذهب مباشرة إلى خزائن الجماعة، دون أن تمر على البنك المركزي أو حتى الخزينة العامة، مما رفع كلفة نقل السلع بنسبة تصل إلى ثلاثين بالمائة، وأحدث تضخم جنوني في الأسعار أنهك كاهل المواطن البسيط.
ولم تتوقف الجبايات عند المنافذ البرية، بل امتدت لتشمل البحر والتجارة الدولية، حيث جمعت الجماعة خلال عام 2024 وحده نحو ملياري دولار من الرسوم والجبايات على السفن التجارية في البحر الأحمر وفقاً لتقارير اقتصادية موثقة، أما على صعيد القطاع الخاص، فقد فرضت على التجار خمس زيادات متتالية في الجبايات خلال عام واحد فقط، تحت مبررات واهية تتراوح بين دعم الإنتاج المحلي وتطبيق المواصفات والمقاييس، وهي لجان ميدانية وهمية أنشأتها الجماعة خصيصًا لابتزاز مالكي الصيدليات والمحلات التجارية، وإجبارهم على دفع إتاوات مالية تحت طائلة التهديد بالسجن والإغلاق، وهذا الابتزاز المنظم دفع عشرات الشركات إلى إغلاق أبوابها، لا سيما في المولات الكبرى بصنعاء ومحافظة إب، حيث كان يجمع من الحوبان وحدها نحو أربعمائة مليار ريال سنوي تذهب كلها لتمويل قيادة الجماعة السلالية والمشرفين وأسرهم بدل من أن تصرف على الخدمات والتنمية.
وإذا كانت الجبايات هي الذراع الظاهرة للنهب، فإن الفساد المؤسسي هو الذراع الخفية التي تنهش جسد اليمن من الداخل. ففي قطاع النفط، كشفت تقارير الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة عن تلاعبات مالية كبرى، تضمنت صفقات مشبوهة وصلت قيمتها إلى ثمانية وخمسين مليون دولار، تورط فيها قيادات حوثية في شراء شحنات وقود عبر ميناء الحديدة، كما أن عائدات السوق السوداء في هذا القطاع وحده تقدر بنحو ثلاثمائة وثمانية عشر مليار ريال تضاف إليها ستمائة مليار ريال من الإيرادات غير الضريبية وخمسة وتسعون مليار ريال من مصادر أخرى، في منظومة فساد متكاملة الأركان، والأدهى من ذلك، أن شركة الذهب الأسود المملوكة للقيادي الحوثي علي قرشة حصلت وحدها على ستمائة ألف دولار من عائدات شركة النفط الرسمية، في نموذج صارخ لكيفية تحويل المال العام إلى ملكية خاصة.
أما قطاع الاتصالات، فقد تحول إلى بقرة حلوب لا تنضب، حيث تضم شركة يمن موبايل وحدها خمسة ملايين وخمسمائة ألف مشترك يستنزفون ليس فقط عبر الرسوم العادية بل أيضاً عبر رسائل نصية ترسل إليهم مرتين شهرياً لطلب التبرع للمجهود الحربي تحت مسميات مختلفة، في ابتزاز علني لا يخجل منه أحد. وقد صرف المدير السابق للشركة عصام الحملي ستة عشر مليار ريال تحت غطاء تأهيل الشبكات، في صفقات مشبوهة لم تسفر عن أي تحسين فعلي في الخدمة، بينما تدهورت البنية التحتية للشبكة بشكل كارثي وأصبحت خدمات الاتصالات تستخدم في التجسس على الناشطين وتعقب المعارضين، في تحول خطير جعل من الهاتف المحمول أداة قمع بدلاً من أن يكون وسيلة تواصل.
وفي مواجهة هذا النهب المنظم، كانت محاولة الجماعة تفكيك أجهزة الرقابة هي الخطوة المنطقية التالية، فقد أقدمت على فصل تسعة وعشرين موظف من الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة بصنعاء بتهمة إفشاء تقارير عن الفساد في وثيقة مسربة تحمل توقيع القيادي الحوثي علي العماد المنتحل لصفة رئيس الجهاز، وهذه الخطوة لم تكن الأولى، بل جاءت في إطار مسلسل طويل من حوثنة مؤسسات الدولة، حيث تم اعتقال مسؤولين في الجهاز لمجرد كشفهم وتوثيقهم قضايا فساد مالي تورطت فيها قيادات حوثية هاشمية نافذة، في رسالة واضحة مفادها أن لا رقابة على من يمسك بالسلاح.
أما ملف المرتبات، فقد تحول إلى سلاح عقاب جماعي بامتياز، فمنذ سنوات يتم حرمان محافظات كاملة من مرتبات موظفيها رغم أن الإيرادات العامة تغطي أضعاف ما يلزم لصرف هذه المرتبات، فالإيرادات السنوية تصل إلى ستة مليارات دولار على الأقل، بينما كانت فاتورة المرتبات السنوية في الميزانية العامة عام 2014 لا تتجاوز تريليون وأربعة عشر مليار ريال، أي ما يعادل نحو اثنين فاصلة ثلاثة مليار دولار بسعر الصرف آنذاك، وهذا يعني أن الإيرادات تغطي أكثر من ضعف المرتبات، لكن الأموال توجه نحو استجلاب الأسلحة وتمويل العناصر المقاتلة، تاركة المواطنين يواجهون مصيرهم في ظل انهيار كامل للقيمة الشرائية للريال اليمني وارتفاع جنوني في أسعار المواد الغذائية، والأكثر إيلام أن نحو خمسين بالمائة من الرواتب التي تصرف تحول إلى مشرفي الجماعة بدلاً من الموظفين الفعليين، في سرقة علنية لأموال الشعب.
ولأن الفساد لا يكتمل إلا بالقمع، فقد تصاعدت وتيرة الترهيب والملاحقة الأمنية ضد كل من يوثق معاناته، فقد تعرض مواطنين مثل أبو ياسين القلاضي للتهديد والملاحقة بعد نشره فيديوهات تكشف حجم الجوع والفقر المدقع في صنعاء، كما وثق مركز النديم خلال عام 2025 وحده خمسة آلاف وثلاثة وخمسين انتهاك حقوقي، شملت الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب والابتزاز المالي، وفي محافظة إب وحدها، تم اختطاف ثلاثة وثمانين مدني وإنشاء اثني عشر جهاز أمني جديد، في تحول جعل من المحافظة ثكنة عسكرية. أما على الصعيد الدولي، فلا يزال ثلاثة وسبعون موظف أممي وإنساني مختطفين في سجون الجماعة منذ أكثر من عامين.
وفي خضم كل هذا يقف المواطن اليمني أمام معادلة قاسية، ثمانية عشر مليون يمني يواجهون جوع حاد، بينهم واحد وأربعون ألف معرضون للمجاعة وفقًا لتقارير برنامج الغذاء العالمي، وأربعة ملايين طفل تحت سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد، وكل هؤلاء لا يجدون من يعينهم بل يطلب منهم أن يعملوا بلاش كما قال محمد مفتاح، في سخرية مريرة تعكس حجم الاستهتار بمعاناة الشعب.
إن ما تعيشه اليمن اليوم في مناطق سيطرة الجماعة ليس مجرد أزمة اقتصادية عادية، بل هو نظام اقتصادي قائم على النهب المنظم تدار فيه الموارد الوطنية كإمبراطورية خاصة تجمع فيها ستة مليارات دولار سنويًا من النفط والغاز والاتصالات والجبايات، وتنفق كلها على الحرب والقمع والأسر الهاشمية، بينما يترك المواطنين لمواجهة الموت. إن الأرقام لا تكذب، مائتا وعشرون نقطة جباية ومليون ومائتان وخمسون ألف موظف محروم من مرتباته وثمانية عشر مليون يمني يواجهون الجوع وخمسة آلاف وثلاثة وخمسون انتهاك حقوقي في عام واحد، وتسعة وعشرون موظف في الرقابة فصلوا لكشفهم الفساد، وهذه ليست أرقام مجردة بل شواهد على مأساة إنسانية مفتعلة تدار بعقلية اقتصاد الحرب، حيث المواطن هو العدو والجوع هو السلاح والصمت هو الثمن الوحيد للبقاء على قيد الحياة.
وفي النهاية، تبقى صرخة المواطنين في مقاطع الفيديو الأخيرة هي الشاهد الأبلغ على فشل هذه المنظومة، وعلى أن الجوع لا يمكن إخفاؤه إلى الأبد، وأن القمع لا يمكن أن يطمس الحقيقة، فاليمن كما قال أحد المحتجين مليان فرص عمل، لكن ليس للمواطنين اليمنيين بل لمن للهاشميين ولمن يمسك بالسلاح ويدير إمبراطورية الفساد ومن يقول للشعب الجائع اشتغلوا بلاش





