الجمعة، 26 يونيو 2026 | الموافق ١٠ محرم ١٤٤٨ هـ
الرأي

‏شيعة وسنة والأزمة المزمنة

فكرت أدلي بلوي في نقاش الإلحاد والإيمان

ليست الأفكار كل شيء، لكنها لا تقل أهمية عن القوى المادية في تحريك الأحداث، خاصة في مجتمعات قبل-حداثية مثل مجتمعاتنا.

والنقاش السياسي عندنا ليس نقاشًا حول الحاضر والبرامج الانتخابية والشرعية الدستورية فقط، بل هو نقاش حول الماضي والدين والتشريع، إضافة إلى الحاضر والبرامج والوعود الانتخابية.

في معركة الأفكار بين السنة والشيعة (التي يخوضها طرفا النزاع اليمني حاليًا ممثلين في الحكومة الشرعية والحوثيين)، تبدو السردية الشيعية أكثر تماسكًا وتناغمًا مع ذاتها، رغم عنصريتها وتخلفها الفكري!

تقوم السردية الشيعية على أن الهدف من بعث محمد نفسه هو تبليغ الوصية لعلي. وحسب تفسيرهم فإن محمدًا نفسه تردد: “يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ”، ولم يبلغ الرسالة الحقة إلا بإيصائه لعلي في غدير خم!

وهكذا تمضي القصة الشيعية لتدعي مؤامرة عمر وأبي بكر أثناء احتضار الرسول ومنعه من كتابة الوصية، وترفض كل ما جرى في السقيفة، وتضع كل الصحابة تقريبًا في خانة المنافقين الذين اعتدوا على حق علي الإلهي في الحكم. وبمنتهى الوضوح يرون أن السلطة بعد علي هي لبنيه وأحفاده حتى يوم الدين.

هي أطروحة متخلفة وتفتقر إلى الإثبات، لكنها متناسقة مع ذاتها وكفيلة بإثارة عواطف العامة وخالية من تناقضات القصة السنية.

في المقابل، يعاني السنة من فصام على مستوى النصوص والفهم والمنطلقات. مثلًا لا ينكرون حديث غدير خم، لكنهم ينكرون أنه يعني التوصية بالحكم لعلي، مع أن نص الحديث يقول غير ذلك، وللتخلص من هذا التناقض عليهم إما أن يرفضوا الحديث أو أن يسلموا بصحته وبغلبة القصة الشيعية.

وفي أحداث السقيفة يؤمنون بصوابية اختيار أبي بكر، لكنهم في نفس الوقت لا ينكرون حق علي في الخلافة، بل ويكررون القصص الشيعية التي تصور الصحابة في صورة الطامعين في الحكم الذين تركوا الرسول وتكفينه وقبره، وانطلقوا للصراع على الحكم!

والرواية السنية لتاريخ الفتنة الكبرى وما بعدها متناقضة ومأزومة أيضًا، عكس الرواية الشيعية المتناسقة رغم عنصريتها، أو بسبب عنصريتها الواضحة.

فالسنة يرون أن معاوية انتزع الخلافة من علي، دون أن يعوا أن هذا ينزع شرعية نظام الخلافة التاريخي من أساسه ويحوله إلى خروج على الحاكم وخروج على الدين. كما أنهم يرون أن الحسين كان أولى من يزيد.

وأن أحفاد علي الطامحين أولى بالحكم ممن تربع على العرش الأموي والعباسي من بعده، رغم أن هذا ينسف استمرارية نظام الحكم الإسلامي المزعومة، ويصور التاريخ الإسلامي في صورة سلطة غاشمة انتزعت الحكم ممن يستحقه من أبناء السلالة المقدسة.

وحظ معاوية سيئ في المرويات السنية رغم أنها تراه كاتب الوحي وخال المسلمين وجامع صفهم بعد شتات. لكن هذا لم يشفع لمعاوية في التشيع السني، الذي يصوره مستبدًا مفتئتًا فاسدًا، وفي نفس الوقت يراه خليفة شرعيًا واجب الطاعة.

التشيع السني والتناقض السني هو المدخل الذي استغلته عنصرية آل البيت للصمود 1400 سنة، في حين انقرض الأمويون بعد أقل من قرن على إمبراطوريتهم.

وإذا كانت الحكومة اليمنية تسعى إلى مواجهة الحوثيين في ميدان الوعي، فإنهم خاسرون مقدمًا إذا استمر الجدال على مستوى النصوص وبعقلية “من هو الأحق” الفقهية التي عفا عليها الزمن.

ولا حل أمامها إلا الانطلاق أولا من قيم حقوق الانسان وشعبية الحكم ومدنية الحاكم، وثانيا بعلمنة السردية التاريخية وتقديم أحداث السقيفة والفتنة والخلافة الأموية والعباسية في صورتها التاريخية كتجليات لقوى الأمر الواقع وضرورات السياسة.

وتقديم علي ومعاوية والصحابة ومن بعدهما في صورتهما البشرية كسياسيين تصارعوا على السلطة وقاتلوا من أجلها، وفاز بها الأجدر والأكثر قدرة على حل التناقضات وتكوين التحالفات وتحييد الخصوم.

فالسلطة لا تقوم على مبدأ “من هو الأحق”. والأحقية ليست خرافات لاهوتية ولا مرويات ملفقة ولا أحكام فقهيه رجعية، لكنها جدارة وقوة وتحالفات وتاريخ يُصنع بالسيف والكلمة.

إن علمنة الوعي التاريخي والفكر السياسي هي الطريق الوحيد لمواجهة ادعاءات “العائلة المقدسة” التي تصب المرويات التاريخية في صالحها.

ولأن السنة هم الأغلبية، فلا مخرج إلا أن تنتصر الأغلبية السنية على نفسها وتتحرر من تقديس التاريخ والشخصيات، وتتحرر من سلطة الماضي وألغامه. فإذا نجحت في ذلك، فستتحرر الأغلبية السنية والأقلية الشيعية في نفس الوقت.

وأنا هنا أتحدث عن السنة بالمعنى الاجتماعي السياسي لا بالمعنى المذهبي.

لكن كيف يمكنها ذلك وهي عاجزة عن حل تناقضاتها والتحرر من أفكار خصومها التي تؤمن بها أكثر من خصومها أنفسهم؟