كل قضية في اليمن تلبس وجهين في الوقت نفسه. وجه يقدمها بسيطة بلا تعقيد ولا خفايا. ووجه آخر يعرضها غامضةً مربكةً وكأنها ليست إلا الشجرة التي تحجب الغابة. هكذا هي قصة المزعومة ميرا التي تطورت إلى فدغم.
قضية فدغم مربكة للجميع.
مصدر هذا الإرباك في أنها قضية استطاعت تقويض الحقل السياسي -الذي اعتاد الجميع الخوض فيه بسلاسة واستسهال وتملكوا لغته ومفرداته إلى- مجال قبلي مغرٍ في دواخله وغوامضه ولغته التي تتزين بالجديد العجائبي.
ومصدر الإرباك هو التطور الدراماتيكي وتعاظم الحبكة والتداعي الجماهيري (القبلي) دون افق سياسي. هل لأن القبيلة أمام لحظة إثبات ذات لا تعوض؟ أم لأن موضوع الحشد (النكف القبلي) يفرض حقيقية اجتماعية وسياسية جديدة هي أن قيم القبيلة عابرة للمجتمع اليمني الذي مزقته السياسية والمذاهب والإيديولوجيات؟
على صعيد السلطة، الحكومة مرتبكة مثلها مثل الجماعة الحوثية.
وهي، أي الحكومة تريد ولاءً اكيداً من فدغم. وهذا الأخير يدرك المساحة التي يتحرك عليها والجهات التي يخاطبها. وذهابه إلى مناطق الحكومة -إلى جانب غايته في السلامة الخاصة - وسيلة لتعظيم أوراقه أمام الجماعة التي سيعود إلى مربعها بعد انتزاع بعض التنازلات. مربع الحكومة يمثل له مربع تعبئة.
خلق هذا الزعيم القبلي حالة خاصة في قدرته على اظهار عيوب الجماعة الحوثية في ميدان جديد لم يطرق كفاية وفي موضوع تستطيع الزعامات القابلية الحشد والتعبئة دون أن تنالها تهمة "الانخراط في القضايا السياسية الوطنية" وبالطبع الانضمام إلى الحسابات الاقليمية وسجلاتها. هذا الحياد المناسب والمريح هو المساحة التي تتحرك عليها الزعامات القبلية. فهو لا يكلفها أي التزام سياسي إلى الآن. هذه الديناميكية اسميها الفدغمة.
وعلينا أن نقرأ الفدغمة هذه من أكثر من زاوية :
اولاً، زاوية العلاقة بين القبيلة -إذا اعتبرناها كياناً مقابلاً للدولة ينزع إلى الاستقلالية - والسلطة القائمة في مناطق الحوثي وهي سلطة سحقت كل ما دونها.
وبهذا تكون تحركات فدغم منسجمة مع سلوك قبلي معروف يفاوض على مكانته واستقلاليته النسبية في وجه السلطة -على النحو الذي يضمن له انتزاع مصالح دون التوغل في صدام مفتوح- اياً كانت السلطة.
لنلاحظ أنه يتحرك مكانياً، في مساحة جغرافية مفتوحة ليست المدينة. هذه الخبوت (الأرياف والجبال) هي الحيز الجغرافي لسلطة القبيلة في مقابل المدينة. تتحرك الاحزاب والفعاليات السياسية والمدنية في المدن وتتعامل مع الريف بوصفه مخزونا بشرياً وليس مضمار المواجهة والسياسية.
تحركات فدغم -إذا لم تكن سياسية أي مشبكة مع المجال السياسي الوطني -هي المتوقع من قبيلة غايتها تحافظ على سلطتها المعنوية داخل المجتمع اليمني.
ولكن تظل تحركات سياسية بالمعنى الكلي للسياسة؛ صراع على المجال السياسي وعلى السلطة الرمزية.
ثانياً، من زاوية الصورة:
الصورة العامة التي كونتها الجماعة الحوثية عن نفسها مع سنوات الصراع هذه وبالقياس إلى الصورة التي تكونت عن الشرعية في اذهان اليمنيين والمراقبين الخارجيين هي أنها سلطة واحدة ومتماسكة وعضوية وليس هناك من ينازعها سلطانها بعد أن أجهزت على أي صوت قادر على الرفض والاعتراض.
ما يحدث الآن بفضل او بسبب الفدغمة هو اهتزاز كبير لهذه الصورة. وربما هذا هو المجال الممكن استثماره في وجه الجماعة الحوثية. لا اموال ولا سلاح ولا تسييس فج. فقط كشف حقيقة القبضة السلطوية الحوثية وحدودها.
في حقيقتها، السلطة الحوثية ليس كاملة ولا وكاملة القوة. هذا بالطبع دون الجدال في انها غير تمثيلية ولا بلغت حد أنها تخرس الجميع. ربما في فعلت ذلك المجال السياسي نعم. قضت على كل أشكال الاعتراض والمنافسة. لكنها اجتماعياً لم تحقق مرادها بعد.
فدغم هو التجلي الصاخب لرفض الهيمنة المطلقة. لكن الناس يعربون عن رفضهم على شكل سخرية أو ممانعة في التماهي الثقافي والتطييف الممنهج. الشارع اكثر صلابة في مواجهة القوة الناعمة الحوثية. لان الواحد منهم خارج الرقابة دون مواجهة يقول :عبد الملك الحوثي. بينما فدغم يقول :السيد.
المهم في حالة فدغم، ومن خلال التعبئة القبلية انكشاف أن الحوثية -نزعة أو سلطة -ليست من صميم المجتمع ولا تتوافق معه. وربما باستعمالها القوة المفرطة أسكتت التكوينات السياسية واخمدت المجتمع المدني.
لكنها لم تبلغ بعد على العمق الاجتماعي حيث القبيلة.
هذا معطى جوهري في فهم وتحليل اليمن وينبغي ان يصل للعاملين في الشأن اليمني سواءً الجيران او الاجانب أو محللين والصحفيين. لماذا ؟ لان هناك استسلام لواحدية الحوثية كعدد مصمت حق هذه الجماعة الحصري في مناطق سيطرتها. وعلى ضوء هذا تصاغ السياسات والحلول المستقبلية.
المفارقة الغريبة هي ان الحوثية جاءت من أقصى الريف (حيث القبيلة) لكنها استوطنت المدينة. وانتجت علاقة عداء بين المدينة المحوثنة والريف. هي بهذا تسلك مسالك كل سلطة متغلبة. لم تخلق لها فضاءا جديداً ولم تؤلف بين المنبع والوصول . مجرد إحلال.
هي بهذا تبدو متنكرة إلى منبعها. وقوة الفدغمة الان هي إبراز هذا العار الذي تبدو الجماعة الحوثية ضعيفة وعارية أمامه.
وهذا الاستنتاج يقود إلى افتراض ان الريف في اليمن الحوثي ما يزال غير مروض حوثياً ولديه قدرة ممانعة ورفض او على الاقل قابل لاكتسابها.
إنما كيف ينبغي الوصول إليه لتعضيد الوعي الرافض الحوثي؛ إما بوعي جمهوري-حقوقي-مدني-سياسي، وهذا الأفضل للمستقبل. أو بوعي قبلي أو وعي يجعل الريف - الصحراء في معارضة للمدينة /السلطة الحوثية.
ثالثاً، من زاوية البنى الاجتماعية المقاومة
لم يكن فدغم زعيماً معروفاً قياساً بالزعامات القبلية المشهورة والمهيمنة على المشهد الإعلامي أو السياسي. وهو يمتاز بحس براجماتي وانتهازي. كان في صف الشرعية وانتقل إلى صف الحوثي. بالنسبة له الانتقال آمر بسيط. على عكس ما يراه البعض منهن تصلب في موقف معسكر ما، بانه تجاوز الخطوط الحمراء.
كونه، في الحقيقة، غير مكبل بهكذا قيود معنوية فهو لا يمثل حصان رهان في معركة استعادة الدولة. لكنه يعكس حقيقة الوقع داخل مناطق الحوثي وربما داخل اليمن ككل.
ما تقوله الفدغمة: القوى (التقليدية) سياسية أو اجتماعية وربما رؤوس أموال ، فقدت مكانتها ونفوذها في سنوات الصراع وهناك قوى جديدة تتشكل وينبغي إدراك هذه الحقيقية ورصدها لفهم الحركة الممكنة مستقبلاً.
الآن ،ما هي المسافة اللازمة للاقتراب من فدغم من طرف الحكومة ؟
للأسف فإن أول خطوة قام بها هي قطع طريق.
ثم إنه يتناول بإجلال عبد الملك الحوثي. هذا لا يعني انه يواليه بقدر ما يعني انه يضع لنفسه خطوط اتصال تنقذه. سيكون غبياً إذا لم يتعظ من أحداث سابقة.
لم يصل بعد إلى قطيعة كلية مع الجماعة الحوثية. وهذا طبيعي لانه ينقل صراعه معها إلى مربعها. ما يزال يتوسلها وينازلها.
بالنسبة له ، مناطق الحكومة ليست أكثر من منصة انطلاق مع إدراكه الفطري أنه لن يصاب باذاى من طرف الحكومة. ولا ينبغي ان يصاب باذى او يتعرض لضغط ما لم يمارس اعمالاً مخلة بالنظام. رسالة الحكومة هي أن أبوابها مشرعة لمن يأتيها من مناطق الحوثيين.
عليها فقط أن تمنحه بطاقة أمان. خصوصاً إذا استمر في استنزاف الجماعة الحوثية في صورتها وطاقتها. ستكبر كرة الثلج.
الجماعة الحوثية في تقديري لن تقدّم له اي تنازل جاد. لانها ترى التنازلات انكسارا.
بالمقابل، ما أخشاه هو أنه سيستنزف القبائل المواليه للحكومة في حشوده ويفرغ خطوط المواجه.





