لم يكن يوسف يشبه أحدًا، أو ربما كان يشبه الجميع دون أن يدري . كان موظفًا نزيهًا، كُفؤًا حدَّ الدهشة، لكن النزاهة في بلاده لم تكن فضيلة تُؤهّل صاحبها للترقي، وإنما هي خطيئة تُقصيه بهدوء.
في اجتماع رسمي، وقف في وجه الوزير، لم يرفع صوته، لم يشتم، لم يحتج ، قال "لا" فقط... لا واحدة، مقتضبة، جافة، كانت كافية ليُحكم عليه بالإعدام الوظيفي ؛ فكيف يتجرأ مرؤوس أن يقول "لا" في وجه رجل تعوّد أن يسمع "نعم"؟
اعتقد يوسف أنه بذلك الرفض يغلّب مصلحة وطنه، آمن أن ثمة معادلة بسيطة مفادها أن القانون + الضمير = النجاة .
لكن المعادلة كانت ناقصة، كان ينقصها حدّ الخوف، أو ربما حدّ النفاق، أو ربما شيء من الصمت الذي يجعل المرء يمرّ كظلّه على الجدران بلا أثر .
الصدق والنزاهة والكفاءة، كما اكتشف لاحقًا، مفردات صالحة للاستهلاك الإعلامي، أما الواقع فيشي بالكذب والالتفاف على القوانين، ومكافأة من يحسنون لعقها بألسنتهم قبل التوقيع .
غادر يوسف مكتبه بسبب كلمة "لا"، لا ذنب له ولا جريرة، غير أنه قال "لا" في بلاد يعاقَب قائلها بصنوف العقوبات، عاد إلى بيته بوجه عابس وقلب مفطور.
زوجته لم تسأله، عرفت من نظرة عينيه أن شيئًا ثقيلًا قد وقع، الأولاد لم يفهموا لماذا صار والدهم يجلس طويلًا عند النافذة أو في المتكأ دون أن يذهب إلى العمل، كانوا صغارًا، لكنهم كبروا فجأة حين رأوا أباهم ينكسر.
طرق أبواب أصحابه ومعارفه، يلتمس إنصافًا، فلم يجد غير الوعود؛ وعود ثخينة كالدخان، تملأ الصدر ثم لا تلبث أن تتلاشى .
وما أحزنه أكثر أن هاتفه الذي كان ساخنًا طوال ساعات اليوم أخذ يخفت رويدًا رويدًا إلى أن صمت نهائيًا، حتى المقربون تناسوه، محوا اسمه ، فلم يعد يتلقى منهم ولو تهنئة عيد أو جمعة .
صار يعيد شحن هاتفه كل ليلة، لا لشيء إلا ليؤكد أنه ما زال حيًا، ما زال ينتظر، ما زال له رقم واسم في هذا العالم .
أحد أقاربه الأوفياء، رجل يحفظ الجميل ولا ينسى أن يوسف كان سببًا في تعليم أولاده حين ضاقت بهم السبل، أعطاه حافلة صغيرة تتسع لخمسة عشر راكبًا.
لم تكن كرمًا، بل استحياء من عجز العالم عن ردّ الجميل، طوال عشرة أعوام، ظل يوسف ينقل المسافرين بين عدن وصنعاء وتعز وحضرموت، وحتى صعدة، ينقل طلاب مركز الحديث بدماج.
الطرقات صارت بيته، وعجلة القيادة صارت صديقته الوحيدة، وفي كل رحلة، كان يحدث الركاب بسخط، عن حكومة نسيت أن لها مواطنين، عن رئيس لا يعرف أن في البلاد بشرًا.
كان يتكلم كثيرًا، وبسبب انفلات لسانه تعرض للحبس مرات عدة، لكنه كان يخرج في كل مرة، بتدخل من بعض الخيّرين الذين يعرفون قصته ويستحيون من أنفسهم.
حين اندلعت ثورات الربيع العربي، شعر يوسف أن التاريخ أخيرًا التفت إليه، أخذ ينقل المتظاهرين إلى ساحة التغيير بنصف الأجرة وربعها، وأحيانًا لا يأخذ شيئًا.
كان فرحًا كطفل وجد لعبته الضائعة، ظن أن أزمته ستنفرج، أن ثمة يدًا خفية تدير الكون بدأت تصلح الأخطاء.
كان صادقًا حدَّ السذاجة، واثقًا حدَّ العمى، صار معروفًا في ساحة التغيير، بات "أبو نشوان الثائر"، أضحى حديث سرادقها، وقصته بلغت الآفاق، ووُعد، ووُعد، ووُعد بالإنصاف.
عاد يوسف إلى عدن بعد أن انفضّ المتظاهرون وغادروا المخيمات، أعاد الحافلة إلى قريبه، وشرع ينتظر، كان يحمل في جيبه أرقام هواتف بالجملة، ويحمل في قلبه آمالًا أكبر من المحيط.
قيل له إن قرارًا بتعيينه في وظيفة مرموقة بوزارة المالية لم يبقَ إلا توقيع الرئيس الجديد . انتظر أسبوعًا، شهرًا، فلم يسمع غير أسماء محسوبين على أحزاب وقادة الثورة، أسماء لا يعرفها ولا تعرفه، لكنها تعرف كيف تصل.
تواصل مع أحد رفاق ساحة التغيير، فأخبره الخبر كمن يضع جمرًا في كفه: قرار تعيينك كان على وشك الصدور، لولا أن ابن الرئيس خطف المسودة من الوزير ورئيس الحكومة لحظة مغادرتهما مكتب والده.
جلس الابن على ركبتيه، أخذ القلم، ومرر مداده على اسم يوسف، وكتب اسمًا آخر من أبناء البلاد . فعلها بهدوء، مثلما يشطب المرء خطأ إملائيًا في ورقة . لم يصدِّق يوسف ما سمع، سأل بصوت مرتجف: "هل هذه ثورة التغيير، أم قلعنا ثومة وزرعنا بصلة؟"
ثم جاءت المرة الثانية، بترشيح جديد، حمل توقيع الوزير ورئيس الحكومة، ولم يبقَ إلا توقيع الرئيس، قيل له إن القرار فردي، أي أنه هذه المرة للتاريخ، فلن ينزلق القلم أبدًا.
انتظر أسبوعًا وشهرًا، ملَّ متابعة نشرات التاسعة، ثم علم أن قادة الثورة توافقوا على إضافة عشرة أسماء ليكون القرار جماعيًا، فيتقاسم الجميع الغنيمة، وبسبب تلك القائمة، أُحبط القرار وأخذ طريقه إلى سلة المهملات، كان اسمه ثقيلًا جدًا، لا يحتمله ورق .
وجاءت المرة الثالثة، قيل له إنه سيكون ضمن قائمة المستقلين في مؤتمر الحوار الوطني، المؤتمر الذي سيرسم خارطة الدولة، خارطة الوطن، خارطة الأحلام .
وبرغم حنقه وغيظه، رحّب بالفكرة، ظن أن المكان هذه المرة سيكون له، لكنه حين نشرت وسائل الإعلام أسماء المشاركين، لم يجد اسمه ولا أسماء رفاقه المستقلين.
احتال قادة الثورة ومعهم الرئاسة على حصة المستقلين، واستبدلوهم بأسماء حزبية وأبناء البلاد؛ أبناء البلاد دائمًا، والموالين والأتباع، كأن البلاد لا تلد إلا أسماء بعينها، تتكرر كالصدى في بئر.
ظل يتابع مجريات الأحداث بألم ووجع، ومع خيبة الأمل، بقي يحمل في داخله شيئًا من التفاؤل، ذلك التفاؤل الذي يشبه غصنًا أخضر في صحراء، لا تدري كيف نبت ولا كيف بقي.
ظل يواسي نفسه: "المهم أن التغيير سينتصر في نهاية المطاف، وإذا لم أحصل على حقي الآن، فالزمن القادم كفيل بالإنصاف". كان يحدث نفسه بصوت عالٍ أحيانًا، كمن يحاول إقناع وجهه في المرآة.
وبينما كان ينتظر نهاية مؤتمر الحوار ، إذ بثورة مضادة تحمل راية التغيير، وجد فيها غاية وذات منكسرة، ظن أن ثورة فبراير سحقت حقه، أضاعت البوصلة، فكان لا بد من فعل ثوري مغاير .
ما فعله أدعياء التغيير كان أسوأ وأقبح من العهد السابق، كمن يستبدل ظلًا بظل أشدّ سوادًا، وبسبب أزمة البيضة والجرعة السعرية، سقطت الحكومة والرئاسة .
حدث ذلك ويوسف منذهل، مفزوع، لكنه في الوقت نفسه فرح؛ فرح بسقوط من خذلوه، فرح كمن يرى خصمه يتعثر في الطريق نفسه الذي أوقعه فيه.
وبينما هو غارق في هذا المزيج العجيب من الأسى والشماتة، التقطت عيناه صورة على شاشة التلفاز؛ الوزير اللعين نفسه، واقفًا، يلقي البيان الأول للثورة الجديدة.
الوزير الذي وقف في وجهه، وحطم حياته، يطل الآن مبشرًا بعهد جديد، كأن التاريخ دائرة مغلقة، أو كأن القدر يسخر منه، يديره في حلقة مفرغة حيث اللصوص يتغطّون بعباءة الثورة، والشرفاء يقبعون في العراء ينتظرون عدالة لا تجيء.
وبعد أيام فقط على تلك الإطلالة، وصلت يوسف رسالة ، نظر إلى الشاشة الصغيرة، فوجد قرارًا بإحالته إلى التقاعد، لم يكن قد عمل بما يكفي ليتقاعد، لكنهم تقاعدوا عنه، تقاعدوا من فكرة أنه قد يعود أو يُنصف.
ومنذ تلك اللحظة، كلما سمع كلمة "ثورة" أطلق ضحكة مجلجلة، ضحكة عالية، صافية، كأنها آتية من بئر عميق جدًا.. ضحكة تصل إلى الموتى في قبورهم، فتشنّف لها آذانهم، وربما... ربما ضحكوا معه..





