السبت، 4 يوليو 2026 | الموافق ١٨ محرم ١٤٤٨ هـ
الرأي

معضلة التحرير: القبيلة بين "شرعية الدولة" وعباءة الحوثي

معضلة التحرير: القبيلة بين "شرعية الدولة" وعباءة الحوثي

إن الحديث عن تحرير العاصمة صنعاء لم يعد مجرد معركة عسكرية تقليدية بقدر ما بات لغزاً سياسياً واجتماعياً يتطلب تفكيك البنية التي يرتكز عليها بقاء الحوثية. يرى الكثيرون أن استمرار هذه الجماعة لا يعود فقط لقوتها الذاتية، بل لحالة "التوجس التاريخي" التي تعيشها القبائل اليمنية تجاه استعادة الدولة المركزية.

لقد وقفت القبيلة اليمنية منذ اندلاع الحرب موقفاً مزدوجاً؛ فإما "التفرج المحايد" أو "النصرة المكرهة" للحوثيين. هذا الموقف لم يأتِ من فراغ، بل من قناعة راسخة لدى مشايخ القبائل بأن نجاح "الجمهورية" بمعناها المؤسساتي، قد يعني تقليص نفوذهم السلطوي، وتفكيك كياناتهم التقليدية التي استمدوا قوتهم منها لعقود.

لذا، كان الحوثي بالنسبة لهم -رغم قسوته- "الشر الأقل" الذي يحافظ على هيكلية القبيلة كجسم اجتماعي وسياسي مستقل.

نحن اليوم أمام تحول استراتيجي؛ حيث تتبلور "راية التضامن القبلي" كبديل واقعي ووحيد للتحرك نحو صنعاء. هذه الراية ليست مجرد تحالف عسكري، بل هي وعاء يجمع شتات القبائل التي بدأت تدرك أن الحوثية لم تعد تضمن بقاءها، بل تستنزفها.

السيناريو المتوقع ليس "سحق" أنصار الحوثي عسكرياً بقدر ما هو "تفكيكهم اجتماعياً". بمجرد أن تتوحد القبائل تحت مظلة وطنية واسعة، سيقوم أنصار الحوثي بخلع "عباءة الجماعة" وارتداء "عباءة القبيلة".

هذا الانتقال السلس هو ما سيجعل من المستحيل لاحقاً فرز الموالين عن المعارضين، حيث سيتحول الجميع في ليلة وضحاها إلى "حماة للوطن" و"أول الوطنيين".

هنا تكمن المعضلة الكبرى التي سنواجهها غداً:

أولها :  "الانصهار الجبري" سنشهد حالة من الانصهار الاجتماعي حيث تذوب قوة الحوثي داخل النسيج القبلي، مما سيجعل من الصعب محاسبة المتورطين بجرائم الحرب، لأنهم ببساطة سيتحولون إلى "رجال قبائل" محميين بأعرافها.

ثانيا الشرعية الشكلية: إن الانضمام للشرعية قد يكون في ظاهره "ولاءً للدولة"، لكن جوهره قد يظل "حماية لمصالح القبيلة". الخطر الحقيقي يكمن في أننا قد نستبدل طغيان "الجماعة" بهيمنة "كيان قبلي" واسع، يكتفي بالولاء الاسمي للجمهورية بينما يحتفظ بقراره وممارساته المستقلة.

إن تحرير صنعاء ليس معركة جبهات، بل هو "معركة طمأنة". إذا استطاعت القوى الجمهورية تقديم ضمانات حقيقية للقبيلة بأن الدولة لا تعني إلغاءها، بل دمجها في نظام عدالة ومواطنة، فإن التفكك الداخلي للحوثية سيكون حتمياً.

ولكن، يجب أن نكون مستعدين للواقع الجديد: واقعٌ ستجد فيه الدولة نفسها أمام تحدي "الاستيعاب"، حيث يتحول الخصوم إلى حلفاء بعباءات جديدة، مما يفرض علينا التفكير من الآن في كيفية بناء دولة قانون لا تنكسر أمام الولاءات القبلية التي ستكون هي الركيزة الأساسية للمرحلة الانتقالية وما بعدها.

لكن يبقى السؤال في ظل هذا السيناريو، كيف يمكن للدولة أن توفق بين ضرورة "استعادة العاصمة" عبر التحالف مع القبائلوبين ضمان تحقيق "العدالة والمحاسبة" لمن ارتكبوا جرائم تحت راية الحوثي قبل أن ينصهروا في هذا النسيج الجديد؟