الخميس، 9 يوليو 2026 | الموافق ٢٣ محرم ١٤٤٨ هـ
الرأي

الالتزام القانوني بإعادة فتح المضيق: من صاحب الحق؟

معادلة الجبل والبحر: الجغرافيا السياسية لبناء الدولة في اليمن

يُخطئ من يؤطر إشكالية مضيق هرمز بوصفها التزامًا ثنائيًا بين واشنطن وطهران ينشأ أو يسقط بموجب مذكرة التفاهم الموقعة بينهما . فحرية المرور العابر عبر المضايق المستخدمة للملاحة الدولية ليست امتيازًا تفاوضيًا تمنحه إيران للولايات المتحدة أو تحجبه عنها .

لكنها قاعدة مستقرة في القانون الدولي يستند جانب كبير منها إلى القانون الدولي العرفي ، وقد جرى تقنينها في الجزء الثالث من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982. ومن ثم فإن هذا الحق لا يخص دولتين بعينهما بل يتعلق بجميع الدول وبحركة الملاحة والتجارة الدولية بصفة عامة .

ويجد هذا التصور سندًا في الاجتهاد القضائي الدولي؛ إذ أكدت محكمة العدل الدولية في قضية مضيق كورفو عام 1949 أن للملاحة الدولية في المضايق المستخدمة لهذا الغرض وضعًا قانونيًا يتجاوز الإرادة المنفردة للدول المشاطئة ، وأن مقتضيات أمن الدولة الساحلية لا تبرر تعطيل هذا النظام القانوني خارج الحدود التي يقرها القانون الدولي .

كما أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار كرّست هذا الاتجاه عندما نصت في المادة (44) على عدم جواز تعليق حق المرور العابر في المضايق المستخدمة للملاحة الدولية ، بما يعكس الاتجاه المستقر في تنظيم هذا النظام القانوني حتى وإن كان أساس الإلزام في كثير من جوانبه يستند إلى قواعد القانون الدولي العرفي .

ومن هنا ينتقل مركز الثقل من سؤال: ماذا اتفقت عليه واشنطن وطهران؟ إلى سؤال أكثر جوهرية: من يملك أصلًا سلطة التصرف في نظام قانوني دولي يتعلق بحقوق المجتمع الدولي بأسره؟ فالمضيق ليس محلًا لالتزام تعاقدي بين طرفين وإنما جزء من نظام قانوني دولي لا تستطيع مذكرة تفاهم ثنائية في ذاتها أن تنشئه أو تعطل آثاره تجاه الغير .

وبناءً على ذلك فإن الوضع الذي نشأ في مضيق هرمز منذ نهاية فبراير 2026 لم يكن يومًا مجرد مسألة ترتبط بحقوق ناشئة عن الحرب أو بترتيبات تفاوضية ثنائية ، بل يمثل إخلالًا بالتزام دولي قائم بذاته “سابقًا على النزاع ومستقلًا عنه” .

ومن ثم فإن استمرار فرض القيود الإيرانية على الملاحة بعد سريان وقف إطلاق النار وسعي طهران إلى مأسسة هذه الممارسة عبر تشريع داخلي وهيئة إدارية جديدة لا يُفهم بوصفه خرقًا لمذكرة التفاهم لأن المذكرة لم تتناول وضع المضيق صراحة ، وإنما يُقرأ في إطار مدى اتساق هذا السلوك مع الالتزامات الدولية الحاكمة لحرية الملاحة.

وفي هذا السياق يكتسب مشروع مواد مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دوليًا الذي أقرته لجنة القانون الدولي أهمية خاصة؛ إذ يقرر التزام الدولة بالكف عن الفعل غير المشروع وجبر آثاره، وإعادة الحال إلى ما كان عليه .

وهذا ما يفسر – من منظور تحليلي لا قانوني بحت – لماذا تجنب الطرفان الأمريكي والإيراني حسم هذه المسألة صراحة في نص المذكرة . فالإعلان الإيراني الصريح عن التخلي عن الورقة الاستراتيجية التي اكتسبتها خلال النزاع قد يُقرأ داخليًا باعتباره تراجعًا أمام التيار المتشدد داخل الحرس الثوري ، في حين أن أي اعتراف رسمي بسيطرة دائمة أو بحق استثنائي لإيران في إدارة حركة الملاحة يتجاوز ما يستطيع النظام القانوني الدولي أو القوى الكبرى المعنية بأمن الملاحة القبول به . لذلك لم يكن الصمت مجرد فراغ عرضي في نص المذكرة بل بدا خيارًا وظيفيًا يتيح تأجيل معالجة إحدى أكثر القضايا حساسية بما يعكس اعتبارات الصراع داخل بنية صنع القرار الإيراني بقدر ما يعكس متطلبات إدارة التسوية الثنائية .

المصدر: صفحة الكاتب على منصة " إكس "